منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
جمع القرطبي:
قال القرطبي في آية "الْحِجْر": قَوله تَعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) قَال العُلَمَاء: يَعْنِي: عَلى قُلُوبِهم.
وقال ابن عيينة: أي: في أنْ يُلْقِيهم في ذَنْب يَمْنَعْهم عَفْوِي ويُضَيِّقه عَليهم.
وهَؤلاء الذين هَدَاهُم الله واجْتَبَاهُم واخْتَارَهم واصْطَفَاهم.
قُلْتُ: لَعَلّ قَائلًا يَقُول: قد أَخْبَر الله عن صِفَة آدَم وحَوَّاء ﵉ بِقَوله: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) [البقرة: ٣٦]، وعن جُمْلَةٍ مِنْ أصْحَاب نَبِيِّه بِقَولِه: (إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا) [آل عمران: ١٥٥].
فالْجَوَاب مَا ذُكِر، وهو أنه لَيس لَه سُلْطَان على قُلُوبِهم، ولا مَوضِع إيمَانِهم، ولا يُلْقِيهم في ذَنْب يَؤول إلى عَدَم القَبُول، بل تُزِيلُه التَّوْبَة، وتَمْحُوه الأَوْبَة. ولم يَكُنْ خُروج آدم عُقُوبَة لِمَا تَنَاول … ثم إنَّ قَوله سُبحانه: (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) يُحْتَمَل أن يَكُون خَاصًّا فيمن حَفِظَه الله، ويُحْتَمَل أن يَكُون في أكْثَر الأوْقَات والأحْوَال، وقد يَكون في تَسَلُّطِه تَفْرِيج كُرْبَة وإزَالة غُمَّة، كَمَا فَعَل بِبِلال إذْ أتَاه يُهَدِّيه كَمَا يُهَدَّى الصَّبِي حَتى نَام، ونَام النبي ﷺ وأصْحَابه فَلم يَسْتَيْقِظُوا حتى طَلَعَتِ الشَّمْس، وفَزِعُوا، وقَالُوا: مَا كَفَّارَة مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنا في صَلاتِنا؟ فَقَال لهم النبي ﷺ: لَيْس في النَّوْم تَفْرِيط (١). فَفَرَّجَ عَنهم.
(إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ) أي: الضَّالِين الْمُشْرِكِين، أي: سُلْطَانه على هَؤلاء. دَلِيلُه (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) [النحل: ١٠٠] (٢).