Skip to content

الخصائص المجلد الثاني باب في شجاعة العربية

الخصائص

ابن جني

Printed page ٢/ ٣٩٤

فمتى رأيت الشاعر قد١ ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها, وانخراق الأصول بها, فاعلم أن ذلك على ما جشمه منه وإن دلَّ من وجه على جوره وتعسفه, فإنه من وجه آخر مؤذِن بصياله وتخمطه٢، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته, ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته. بل مثله في ذلك عندي مثل مجرى الجموح بلا لجام, ووارد الحرب الضروس١ حاسرًا من غير احتشام. فهو وإن كان ملومًا في عنفه وتهالكه, فإنه مشهود له بشجاعته وفيض منته٣؛ ألا تراه لا يجهل أن لو تكفر٤ في سلاحه أو أعصم٤ بلجام جواده لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملحاة٥؛ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله إدلالًا بقوة طبعه ودلالة على شهامة٦ نفسه. ومثله سواءً ما يحكى عن بعض الأجواد أنه قال: أيرى٧ البخلاء أننا لا نجد بأموالنا ما يجدون بأموالهم, لكنا نرى أن٨ في٩ الثناء بإنفاقها عوضًا٩ من حفظها بإمساكها١٠. ونحو منه قولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، وقول الآخر ١٠:

لا خير في طمع يدني إلى طبع ... وغفَّة من قوام العيش تكفيني

فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه, وأن الشاعر إذا أورد منه شيئًا فكأنه