Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ١/ ٧٢

٩٤ - الْإِذْنُ نَوْعَانِ:

أ- إذْنٌ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَالْخَلْقِ.

ب- وَإِذْنٌ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ وَالْإِجَازَةِ.

فَمِن الْأوَّلِ: قَوْلُهُ فِي السِّحْرِ: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقُدْرَتهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لَمْ يُبح السِّحْرَ.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]؛ فَإِنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ إبَاحَتَهُ لِذَلِكَ وإجَازَتَهُ لَهُ، وَرَفْعَ الْجُنَاحِ وَالْحَرَجِ عَن فَاعِلِهِ، مَعَ كَوْنِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَقَضَائِهِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] هُوَ هَذَا الْإِذْنُ الْكَائِنُ بِقَدَرِهِ وَشَرْعِهِ، وَلَم ئرِدْ بِمُجَرَّدِ الْمَشِيئَةِ وَالْقَدَرِ، فَإِنَّ السِّحْرَ وَانْتِصَارَ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَانَ بِذلِكَ الْإِذْن.

فَإِنْ قِيلَ: فَمِنَ الشُّفَعَاءِ مَن يَشْفَعُ بِدُونِ إذْنِ اللهِ الشَّرْعِيِّ، وَإِن كَانَ خَالِقًا لِفِعْلِهِ- كَشَفَاعَةِ نوحٍ لِابْنِهِ، وَشَفَاعَةِ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ، وَشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أبي بْنِ سلول حِينَ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

وَهَؤُلَاءِ قَد شَفَعُوا بِغَيْرِ إذْنٍ شَرْعِيِّ؟

قِيلَ: الْمَنْفِيُّ مِن الشَّفَاعَةِ بِلَا إذْنٍ: هِيَ الشَّفَاعَةُ التَّامَّةُ، وَهِيَ الْمَقْبُولَةُ.

فَالشَّفَاعَةُ: مَقْصُودُهَا قَبُولُ الْمَشْفُوعِ إلَيْهِ -وَهِيَ الشَّفَاعَةُ التَامَّةُ-. فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا بِإِذْنِهِ.

وَأَمَّا إذَا شَفَعَ شَفِيعٌ فَلَمْ تُقْبَل شَفَاعَتُهُ: كَانَت كَعَدَمِهَا وَكَانَ عَلَى صَاحِبِهَا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْهَا، كَمَا قَالَ نوحٌ: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].