تقريب فتاوى ابن تيمية
وَأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ إنَّمَا تَوَجُّهُهُم إلَى اللهِ مِن جِهَةِ رُبُوبِيَّتِهِ (١). [١٤/ ١٥]
٩٢ - مَا كَانَ كُفْرًا مِن الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ؛ كَالسُّجُودِ لِلْأَوْثَانِ، وَسَبِّ الرَّسُولِ وَنحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لِكُفْرِ الْبَاطِنِ، وَإلَّا فَلَو قُدِّرَ أنَّهُ سَجَدَ قُدَّامَ وَثَنٍ وَلَمْ يَقْصِدْ بِقَلْبِهِ السُّجُودَ لَهُ؛ بَل قَصَدَ السُّجُودَ للهِ بِقَلْبِهِ: لَمْ يَكُن ذَلِكَ كُفْرًا (٢)، وَقَد يُبَاحُ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَيْنَ مُشْرِكِينَ يَخَافُهُم عَلَى نَفْسِهِ فَيُوَافِقُهُم فِي الْفِعْلِ الظَّاهِرِ وَيقْصِدُ بِقَلْبِهِ السُّجُودَ للهِ. [١٤/ ١٢٠]
٩٣ - هَذَا التَّوْحِيدُ [تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ]: هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَعَلَيْهِ يَقَعُ الْجَزَاءُ وَالثَّوَابُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، فَمَن لَمْ يَأْتِ بِهِ كَانَ مِن الْمُشْرِكِينَ الْخَالِدِينَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ.
أَمَّا تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ: فَقَد أَقَرَّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ، ويُحِبُّونَهُم كَمَا يُحِبُّونَهُ فَكَانَ ذَلِكَ التَّوْحِيدُ -الَّذِي هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ- حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَإذَا كَانَ اللهُ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ، وَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ إلَّا هُوَ، فَلِمَاذَا يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ مَعَهُ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِم خَلْقٌ وَلَا رِزْقٌ، وَلَا بِيَدِهِ لَهم مَنْعٌ وَلَا عَطَاءٌ؛ بَل هُوَ عَبْدٌ مِثْلُهُم لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا؟
فَإِنْ قَالُوا لِيَشْفَعَ! فَقَد قَالَ اللهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَلَا يَشْفَعُ مَن لَهُ شَفَاعَةٌ -مِن الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ- إلَّا بِإِذْنِهِ. [١٤/ ٣٨٠]