تقريب فتاوى ابن تيمية
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَجَّ وَالصَّلَاةَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَطِيع، سَوَاءٌ فَعَلَ أَو لَمْ يَفْعَلْ.
فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَجِبُ أَنْ تَكونَ مَعَ الْفِعْلِ.
وَالثَّانِيَةُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] عَلَى قَوْلِ مَن يُفَسِّرُ الِاسْتِطَاعَةَ بِهَذِهِ.
وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ السَّلَفِ وَالْجُمْهُورِ: فَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ مَشَقَّةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَصُعُوبَتُهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ، فَنُفُوسُهِم لَا تَسْتَطِيعُ إرَادَتَهُ وَإن كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى فِعْلِهِ لَو أَرَادُوهُ، وَهَذِهِ حَالُ مَن صَدَّهُ هَوَاهُ وَرَأْيُهُ الْفَاسِدُ عَن اسْتِمَاعِ كُتبِ اللهِ الْمُنَزَّلَةِ وَاتِّبَاعِهَا.
فَقَد أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ الْمُقَارِنَةُ لِلْفِعْلِ الْمُوجِبَةُ لَهُ (١).
وَأمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَكَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَن الْفِعْلِ لَا يُطِيقُهُ، كَمَا لَا يُطِيقُ الْأَعْمَى وَالْأَقْطَعُ وَالزَّمِنُ (٢) نَقْطَ الْمُصْحَفِ وَكِتَابَتَهُ، وَالطَّيَرَانَ؛ فَمِثْلُ هَذَا النَّوْعِ قَد اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِع فِي الشَّرِيعَةِ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الْأَمْرِ بِهِ عَقْلًا (٣).