Skip to content

تفسير العثيمين: النور الآيتان (٣٦، ٣٧)

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Printed page ٢٥٢

وقد سبق أن قررنا أن الإذن ينقسم إلى قِسْمَيْن: إذنٌ كونيٌّ وإذنٌ شرعيٌّ، فمثال الإذنُ الكَوْنيُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومثال الإذن الشَّرعي قَوْله تَعَالَى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، هَذِهِ الآية لا تصح أن تَكُون إذنًا كونيًّا قدريًّا؟ لأَن الإذنَ القدريَّ الكَوْنيُّ لم يَنْتَفِ؛ لأنهم شرعوا، لكن ما شرعوا إلَّا بإذن الله كَوْنًا وقَدَرًا.

فإذن قَوْلهُ: ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: شرعًا ولأبدَّ.

وقد يأتي الإذن بمَعْنى الاستماع؛ كقوله ﷺ: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ" (١)؛ معنى: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ" أي: ما استمع لشَيْء مثل استماعِه لِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي يَتَغَنَّى بالقرآن ويجهر به.

إذن قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ اللهُ﴾ في الآية الَّتِي معنا من الإذن الشَّرعي، وهل يتعين أن يَكُون للشَّرعي؟

الجواب: نعم، لأَنَّه لو أذن بِذَلِك قدرًا لكانتَ المَسَاجِد تُعَظَّم ولابُدَّ، وتُرفع ولابدَّ؛ لأَن الإذن الكَوْنيُّ أو القدري - والمَعْنى واحد - لا بُدَّ فيه من وقوع المأذون، فكل ما يَتعلَّق بالْأُمُور الْكَوْنِيَّة لا بُدَّ من وقوعها، فلو كَانَ المُراد بالإذن هُنا الكَوْنِيّ لكان رفع المَسَاجِد أمرًا حتميًّا، مع أَنَّنا نجد أن المَسَاجِدَ أحيانًا لا تُرفع ولا تُعظم بل