Skip to content

شرح المدائح النبوية [أبيات من ميمية البارودي] تعظيم السنة النبوية والعمل بها

شرح المدائح النبوية

صالح المغامسي

Printed page ٩/ ٥

تعظيم السنة النبوية والعمل بها

وهذا يسوقنا لحديث إلى مسألة بالغة الأهمية وهي تعظيم سنة ﷺ، يقول ﵊: (إلا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، فالقرآن والسنة قرينان لا يتفرقان أبداً كلاهما يعضد الآخر، والصحابة ﵃ رقبوا هذا الأمر فكانوا يعظمون أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقديراته كما يعظمون القرآن، ولا يفرقون بينهما، وهذا هو فعل المؤمن الحق، فالله جلا وعلا يقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فالإيمان بالرسل تعظيم أقواله وأخذها كأخذ الوحي تماماً صحيحاً أن السنة كلها مندرجة في آية واحدة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [الحشر:٧].

وسنذكر نماذج لتعظيم أصحاب محمد ﷺ لسنة نبيهم النبي ﷺ، فقد دخل النبي على علي رضي تعالى عنه وأرضاه وعلى فاطمة -وهي قصة شهيرة في قيام الليل-، ثم إن النبي ﷺ بعد ذلك جاءته فاطمة تطلبه خادماً فقال لها ولـ علي: (ألا أدلكما على خير من ذلك؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، وكبراه أربعاً وثلاثين، فهو خير لكم من خادم)، فـ علي ﵁ أخذ بهذه الوصية النبوية والعظة المحمدية فكان لا يبيت الليل حتى يقولها، فقال له ذات مره بعض المعارضين له: ما نسيتها قط؟ قال: والله ما نسيتها، قال: ولا في ليلة صفين، وليلة صفين ليلة المعركة الشهيرة التي كانت بين معاوية وعلي ﵄، فقال علي ﵁: (والله ما تركتها ولا في ليلة صفين).

فهذا يبين لك الحفاوة التي تحلى بها الأصحاب ﵃ وأرضاهم سنة نبينهم ﷺ، بل إنه ورد أن النبي ﷺ قال ذات يوم في باب كان في شرقي المسجد قال: لو تركنا هذا الباب للنساء، فسمعه عبد الله بن عمر ﵁ وهو يومئذ شاب في السادسة عشر تقريباً من عمره أو في الثامنة عشر، فـ ابن عمر عُمر حتى تجاوز الثمانين، وكان يسكن المدينة، أي: أنه عاش بعد هذه الوصية النبوية أكثر من ستين عاماً ومع ذلك لم يدخل ابن عمر من هذا الباب عملاً؛ لقول النبي ﷺ (لو تركنا هذا الباب للنساء)، ولو هنا تفيد الحث وليس أمراً قاطعاً صارماً، فإنه لم يقترن بوعيد ولم يقترن بلعن، وإنما هو أمنية نبوية، فأخذها ابن عمر على أعلى من محاملها مما يبين لك تعظيم أصحاب محمد ﷺ، لأقوال وأفعال نبيهم صلوات الله وسلامه عليه.

فنحن في زمن يجب فيه أن نحي سنة تعظيم أقوال نبينا ﷺ، وأن نأخذها مع القرآن، وأن نعلم أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدي: كتاب الله وسنتي)، فالأخذ بالسنة مما يرفع الله جل وعلا بها قدر العبد، ويجعله في موطن شريف وموئل كريم، فمن أراد التوفيق في الدارين والسعادة في الحياتين فليعظم سنة نبيه ﷺ، وترى حولك أحياناً في واقعك كثيراً من الناس الذين ترى عليهم أثر البركة والتوفيق والثبات، فإن قدر لك أن تعيش معهم أياماً وتخالطهم وجدت أنهم يعظمون سنة نبيهم ﷺ ويعملون بها.

وقد أدركنا أقواماً ولا حاجة للتسمية في مدينة رسول الله ﷺ من مشايخنا وغيرهم يعظمون سنة النبي تعظيماً جليلاً، ويأخذون بها ويتأسون بها، حتى إنني أذكر أنني ذات مرة قدر لي أن أسافر مع أحد أولئك الذين نحسبهم على كثير من الخير فقرأت عليه قصيدة فكان كلما قرأت عليه بيت يقول فيه: إيه، وهذا مأخوذ من سنة النبي ﷺ، فلما طلب من بعض الصحابة أن يسمعه شيئاً من أمية بن أبي الصلت، فكان كلما قال ذلك الصحابي بيتاً من الشعر كان النبي ﷺ يقول: إيه، أي: زدني، فهذا الرجل المبارك تلحظ منه إذا تبعت باقي حياته أن فيها توفيقاً وفيها السداد؛ لأنه يأخذ بالسنة.

ويجب ألا يكون دراستنا للسنة إنما هو لحفظ المتون، أو لنطاول بها أقراننا، أو نبحث بها عن صدارة في مجالس الناس، لكن ينبغي أن تكون السنة النبوية هي الواقع المشهود والمنشود المطلوب، فنسعى في تحقيقها ونتأسى بفعله ﷺ فنقدم ما قدمه الله، ونقدم ما قدمه رسوله ﷺ، ونفقه الكثير من المعاني الجميلة التي كانت في حياة نبينا ﷺ، فإن فهم السيرة العطرة والأيام النضرة يساعد كثيراً في أن المرء يتحلى بحلية النبي ﷺ، ويسير على طريقه وعلى هديه، فيوفق إلى كثير من الأعمال الصالحة.