مجمع الغرائب ومنبع الرغائب
وفي الحديث: «الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ هُوَ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ» (١) إِنَّمَا وَصَفَهَا بِالْبَرْدِ، لأَنَّ الْغَنِيمَةَ يُؤْتَى بِهَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ، وبعد أن يُبَاشَرَ حَرُّ الْقِتَالِ، فَإِذَا حصلت الغنيمةُ من غيرِ قِتَالٍ كانت بَارِدَةً هَنِيَّةً من غير أذىً، وقد تكون باردةً؛ لأَنَّ الصَّوْمَ في الشِّتَاءِ لَيْسَ فِيهِ أَذى الْجَهْدِ وَالْعَطَشِ، بخلاف الصَّيْفِ. واستعمالُ لَفْظِ الْبَرْدِ فِي كَمَالِ الرَّاحَةِ وَتَمَامِ اللَّذَّةِ مِنَ النَّعْمَةِ مَشْهُورٌ فِي الْكَلَامِ.
ومنه الحديث: «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا تَوَجَّهَ نَحْوَ المَدِينَةِ خَرَجَ بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ يَتَلَقَّاهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: بُرَيْدَة، فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: بَرَدَ أَمْرُنَا وَصَلَحَ، ثُمَّ قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ لأَبِي بَكْرٍ: سَلِمْنَا، ثُمَّ قَالَ: مِنْ بَنِي مَنْ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي سَهْمٍ، قال: خَرَجَ سَهْمُكَ» (٢).
قوله: بَرَدَ أَمْرُنَا، فيه قولان:
أحدهما: سَهُلَ أَمْرُنَا، ومنه عَيْشٌ بَارِدٌ أَيْ نَاعِمٌ، وفي الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ: «اللهُمَّ بَرِّدْ عَلَيْهِ مَضْجَعَهُ».
والوجه الآخر: ثَبَتَ أَمْرُنَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: بَرَدَ لِي عَلَى فُلَانٍ حَقٌّ، أَيْ ثَبَتَ وَوَجَبَ.