القسم الثالث من المعجم الأوسط للطبراني
وللحديث شواهد أيضاً من حديث زَيْد بْنَ ثَابِت ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. ومنْ حديث عَائِشَةَ أيضاً قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. (١)
وعلي هذا فيرتقي الحديث بمتابعاته وشواهده من الضعيف إلي الحسن لغيره، والله أعلم.
قلت: وعلي هذا فقد ورد الأمر فيه بالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ لكن جاءت أحاديث أخري تعارضه وتدل علي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أكل مما مسته النار ولم يتوضأ، فذهب أكثر أهل العلم إلي أن الأمر بالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ منسوخ ومن هذه الروايات التي تدل علي النسخ ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث ابْنِ عَبَّاس ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. (٢)
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. (٣)
وعَنْ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. (٤)
وعَنْ أَبِي رَافِعٍ القبطي: قَالَ: أَشْهَدُ لَكُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَطْنَ الشَّاةِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. (٥)
أقوال العلماء في أن حديث الباب منسوخ:
قال الحازمي ﵀: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إِلَى الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ: ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَائِشَةُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَرَأَوْهُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ مِنْهُ وُضُوءًا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنَ التَّابِعِينَ: عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ عَامَّتُهُمْ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَفِيمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ يُقَالُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا صَحِبَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ يُرْوَى عَنْهُ: أَنَّهُ رَآهُ يَأْكُلُ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ أَبْيَنِ الدِّلَالَاتِ