استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى
إذ قال: (والذي أراه في التأويل: أن القرآن كتابَ دين وهُدىً، فليس غرضُ الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّليَّة في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى: أنه أوَّل بيت عبادة حَقَّة وُضِع لإعلان التوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٩٦]، المُقتَضي أنه من وَضعِ واضعٍ لمصلحة الناس؛ لأنه لو كان بيت سُكنى لقيل: وضعه الناس، وبقرينة مجيء الحالين بَعدُ؛ وهُما قوله ﴿مُبَارَكًا وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]، وهذا تأويل في معنى بيت) (١).
ولا دليل على حَمْل معنى الآيةَ على أنه أوَّل بيت وُضِعَ في الأرض للناس ولا بيت قبله (٢)، ومن ذكر ذلك لم يَستَدِل بما يَصلُحُ في مُقَابَلةِ حديث أبي ذَرٍّ الصحيح الصريح، وغايتها آثارٌ عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨) (٣)، لم تسلَم جُلُّ أسانيدها من ضَعفٍ، ولا مُتُونها من نَكارة، مع بُعدِها عن ظاهر الآية وسياقها. (٤)
واختار قول علي ﵁ في الآية جمهور المفسرين (٥)، وقال به الضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)،