Skip to content

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية مسألة معنى قوله تعالى إلى طعام

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية

أبو بكر ابن العربي

Printed page ٣/ ٦١٣

قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]ﷺ وَكَذَلِكَ يُؤْذِي أَزْوَاجَهُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْبَيْتُ بَيْتَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْحَقُّ حَقَّ النَّبِيِّ ﷺ أَضَافَهُ إلَيْهِ.

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ كُنَّ يَسْكُنَّ فِيهَا، هَلْ هُنَّ مِلْكٌ لَهُنَّ أَمْ لَا؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَتْ مِلْكًا لَهُنَّ بِدَلِيلِ أَنَّهُنَّ سَكَنَّ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى وَفَاتِهِنَّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَهَبَ لَهُنَّ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ.

وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُنَّ هِبَةً، وَإِنَّمَا كَانَ إسْكَانًا، كَمَا يُسْكِنُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ، وَتَمَادَى سُكْنَاهُنَّ بِهَا إلَى الْمَوْتِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا لِأَنَّ عِدَّتَهُنَّ لَمْ تَنْقَضِ إلَّا بِمَوْتِهِنَّ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنَى ذَلِكَ لَهُنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِنَّ، كَمَا اسْتَثْنَى نَفَقَاتِهِنَّ بِقَوْلِهِ: «مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ عِيَالِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ».

فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَةً بَعْدَ نَفَقَةِ الْعِيَالِ؛ وَالسُّكْنَى مِنْ جُمْلَةِ النَّفَقَاتِ، فَإِذَا مُتْنَ رَجَعَتْ مَسَاكِنُهُنَّ إلَى أَصْلِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَرُجُوعِ نَفَقَاتِهِنَّ.

وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ لِذَلِكَ أَنَّ وَرَثَتَهُنَّ لَمْ يَرِثُوا عَنْهُنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسَاكِنُ مِلْكًا لَهُنَّ لَوَرِثَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُنَّ عَنْهُنَّ، فَلَمَّا رُدَّتْ مَنَازِلُهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تَعُمُّ مَنْفَعَتُهُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سُكْنَاهُنَّ إنَّمَا كَانَتْ مَتَاعًا لَهُنَّ إلَى الْمَمَاتِ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى أَصْلِهَا فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْإِذْنِ وَأَحْكَامِهِ فِي سُورَةِ النُّورِ.

[مَسْأَلَةُ مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى إلَى طَعَامٍ]

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]

يَعْنِي بِهِ هَاهُنَا طَعَامَ الْوَلِيمَةِ، وَالْأَطْعِمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَشْرَةٌ: الْمَأْدُبَةُ، وَهِيَ طَعَامُ الدَّعْوَةِ كَيْفَمَا وَقَعَتْ.

طَعَامُ الزَّائِرِ التُّحْفَةُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ النُّزُلُ.