Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن رأي الباحث

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٨٨

مُمْتَنِع. وهَذا الزَّعْم لَم يُصِب الْمَحَزّ، فإنَّ كُلًّا مِنْ الآيَتَين سِيقَ في مَعْنَى خَاصٍ بِه، فلا يُتَصَوَّر أن يَكُون في هَذه الْجُمْلَة طَلَب مَا لا يُسْتَطَاع مِنْ التَّقْوَى، بل الْمُرَاد مِنْها دَوَام الإنَابَة لَه تَعالى وخَشيته وعِرْفَان جَلالِه وعَظَمَته قَلْبًا وقَالَبا. وهَذا مِنْ الْمُسْتَطَاع لِكُلّ مُنِيب. وقَوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أمْرٌ بِعِبَادَته قَدْر الاسْتِطَاعَة بِلا تَكْلِيف لِمَا لا يُطَاق؛ إذْ (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا) [البقرة: ٢٨٦]، وظاهِرٌ أنّ مَنْ أتَى بِمَا يَسْتَطِيعه مِنْ عِبَادَته تَعالى، وأنَابَ لِجَلالِه، وأخْلَص في أعْمَالِه، وكان مُشْفِقًا في طَاعَتِه؛ فَقَد اتَّقَى الله حَقَّ تُقَاتِه (١).

وأمَّا الشنقيطي فَقَد اقْتَصَر عَلى قَوله: قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) الآية. هَذه الآية تَدُلّ عَلى التَّشْدِيد البَالِغ في تَقْوَى الله تَعالى، وقَد جَاءت آيَة أخْرَى تَدُلّ على خِلاف ذَلك، وهي قَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، والْجَواب بأمْرَين:

الأوَّل: أنَّ آيَة (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) نَاسِخَة لِقَولِه: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ).

الثاني: أنَّهَا مُبيِّنةٌ للمَقْصُود بِهَا. والعِلْم عِند الله تعالى (٢).

رأي الباحث:

الصَّحيح أن الآيات مُحْكَمَة، وأنه لا تَعَارُض بَيْن الآيَتَين، والْجَمْع بَيْنَهُما مِنْ وُجُوه:

الأوَّل: أنَّ (حَقَّ تُقَاتِهِ): أن يُطَاع فلا يُعْصَى، وأن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر. كما قال ابن مسعود ﵁ (٣).