Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٨٧

ويَظهر أنه يَرى أنَّ الآيَة مُحْكَمَة، وأنَّه لا نَسْخ، حَيث قَال في تَفْسِير سُورة الحج مَا نَصّه: وقَوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: ٧٨] أي: بِأمْوالِكُم وألْسِنَتِكُم وأنْفُسِكم، كَمَا قَال تَعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (١).

أمَّا في تَفسِير سُورَة التَّغَابُن فَقَد ذَكَر القَولَين، فَقَال: وقَوله تَعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: جُهْدَكم وطَاقَتكم، كَمَا ثَبَت في الصَّحِيحين (٢) عن أَبي هُريرة ﵁ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ: إذا أمَرْتُكُم بأمْر فأتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُم، ومَا نَهَيتُكُم عَنه فاجْتَنِبُوه. وقَد قَال بَعْض الْمُفَسِّرِين .... : إنَّ هَذه الآيَة نَاسِخَة للتي في "آل عمران"، وهي قَوله تَعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٣) ثم ذَكَر سبب نُزُول الآيَة عن سعيد بن جبير، وأنَّ آية "آل عمران" مَنْسُوخَة بآيَة "التغابن" (٤).

ورجّح الثعالبي عَدم النَّسْخ، فَقَال بَعْد أنْ حَكَى القَوْل بالنَّسْخ: وقَالَتْ جَمَاعَة: لا نَسْخ هُنا، وإنما الْمَعْنى: اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاته في مَا اسْتَطَعْتُم؛ وهَذا هو الصَّحِيح (٥).

كما نَبَّه القاسمي إلى أنَّ مَنْ زَعَم النَّسْخ لم يُصِب الْمَحَزّ، فقال: زَعَم بَعْضُهم أنَّ هَذه الْجُمْلَة مِنْ الآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) مُتأوِّلًا (حَقَّ تُقَاتِهِ) بأن يَأتي العَبْد بِكُلّ مَا يَجِب لله ويَسْتَحِقّه، قَال: وهَذا يَعْجَز العَبْد عَنْ الوَفَاء [بِه] (٦)، فَتَحْصِيله