منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
بِقَولِه ﷿: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن: ٥٦]، وفي هذا الاسْتِدْلال نَظَر، وأحْسَن مِنه قَوله جَلَّ وَعَلا: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦]، فَقَد امْتَنّ تَعالى على الثَّقَلَين بِأن جَعَل جَزَاء مُحْسِنهم الْجَنَّة، وقد قابَلَت الْجِنّ هَذه الآيَة بِالشُّكْر القَوْلي أبْلغ مِنْ الإنْس، فَقَالُوا: ولا بِشَيء مِنْ آلائك رَبّنا نُكَذِّب، فَلَكَ الْحَمْد (١).
فلم يَكُنْ تَعالى لِيَمْتَنّ عليهم بِجَزَاء لا يَحْصُل لهم، وأيضًا فإنَّه إذا كَان يُجَازِي كَافِرهم بِالنَّار - وهو مَقَام عَدْل - فلأن يُجَازِي مُؤمِنهم بِالْجَنَّة - وهو مَقَام فَضْل - بِطَرِيق الأَوْلى والأَحْرَى.
ومِمَّا يَدُلّ أيضًا على ذلك عُمُوم قَوله تَعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) [الكهف: ١٠٧]، ومَا أشْبَه ذلك مِنْ الآيَات … وهَذه الْجَنَّة لا يَزَال فِيها فَضْل حَتى يُنْشِئ الله تَعالى لها خَلْقًا، أفَلا يَسْكُنها مَنْ آمَن بِه وعَمِل لَه صَالِحًا؟
ومَا ذَكَرُوه هاهنا مِنْ الْجَزَاء على الإيمان مِنْ تَكْفِير الذُّنُوب والإجَارَة مِنْ العَذَاب الألِيم هو يَسْتَلْزِم دُخُول الْجَنَّة؛ لأنَّه ليس في الآخِرَة إلَّا الْجَنَّة أو النَّار، فَمَنْ أُجِير مِنْ النَّار دَخَل الْجَنَّة لا مَحَالَة، ولم يَرِد مَعَنا نَصّ صَرِيح ولا ظَاهِر عن الشَّارِع أن مُؤمِنِي الْجِنّ لا يَدْخُلُون الْجَنَّة وإن أُجِيرُوا مِنْ النَّار، ولَو صَحّ لَقُلْنا بِه، والله أعلم (٢).
ولم يَذكر ابن كثير شَيئًا مِنْ ذلك في تَفْسِير آيَة "الرحمن" (٣).
وفي آيَات سُورة "الْجِنّ" ذَكَر قول ابن عباس ومجاهِد وغَير وَاحِد: (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا).