Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٥١٣

السلام أُنْزِل عَليه الإنْجِيل فِيه مَوَاعِظ وتَرْقِيقَات وقَلِيل مِنْ التَّحْلِيل والتَّحْرِيم، وهو في الْحَقِيقَة كَالْمُتَمِّم لِشَرِيعَة التَّوْرَاة، فَالْعُمْدَة هُو التَّوْرَاة، فَلِهَذا قَالُوا: (أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)، وهكذا قَال وَرَقة بن نَوفل حِين أخْبَرَه النبي ﷺ بِقِصّة نُزُول جِبْرِيل ﵊ أوَّل مَرَّة، فَقَال: بَخٍ بَخٍ! هَذَا النَّامُوس الذي كَان يَأتي مُوسَى (١).

كَمَا قَال ابن كثير بَعد ذلك: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) فِيه دَلالة على أنَّه تَعالى أَرْسَل محمدًا ﷺ إلى الثَّقَلَين الْجِنّ والإنْس حَيْث دَعَاهم إلى الله تَعالى، وقَرَأ عَليهم السُّورة التي فِيها خِطَاب الفَرِيقَين، وتَكْلِيفُهم ووَعْدُهم ووَعِيدُهم، وهي سُورَة الرَّحْمَن (٢)، ولِهَذا قَال: (أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ).

وقَوله تَعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكْمْ) قِيل: إنَّ (مِنْ) هاهنا زَائدَة، وفِيه نَظَر، لأنَّ زِيَادَتها في الإثْبَات قَلِيل. وقيل: إنَّهَا على بَابِها للتَّبْعِيض. (وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: ويَقِيكُم مِنْ عَذَابِه الألِيم، وقَد اسْتَدَلّ بِهَذه الآيَة مَنْ ذَهَب مِنْ العُلَمَاء إلى أنَّ الْجِنّ الْمُؤمِنِين لا يَدْخُلُون الْجَنَّة، وإنَّمَا جَزَاء صَالِحِيهم أن يُجَارُوا مِنْ عَذَاب النَّار يَوم القِيامة، ولِهذا قَالوا هذا في هذا الْمَقَام، وهو مَقَام تَبَجّح (٣) ومُبَالَغَة، فَلو كَان لَهم جَزَاء على الإيمان أعْلى مِنْ هذا لأوْشَك أن يَذْكُرُوه … والْحَقّ أنَّ مُؤمِنِيهم كَمُؤمِنِي الإنْس يَدْخُلُون الْجَنَّة، كَمَا هو مَذْهَب مِنْ السَّلَف، وقد اسْتَدَلّ بَعْضُهم لِهَذا