Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن مقارنة جوابه وجمعه بين الآيات بجمع غيره من العلماء

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٤٤٧

وفي قَوله تعالى: (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) [الحجر: ٤١] قال الزمخشري: أي (هَذَا) طَرِيق حَقّ (عَلَيّ) أن أُرَاعِيه، وهو ألا يَكُون لك سُلْطَان على عِبَادِي إلَّا مَنْ اخْتَار اتِّبَاعَك مِنهم لِغِوايَتِه (١).

ومَعْنَى السُّلْطَان عِنده: الوِلاية، فَقَوله تَعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ) [النحل: ٩٩] أي: تَسَلُّط ووِلايَة على أوْلِيَاء الله، يَعْنِي: أنّهم لا يَقْبَلُون مِنه، ولا يُطِيعُونَه فِيما يُرِيد مِنهم مِنْ اتِّباع خُطُوَاته (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ) على مَنْ يَتولَّاه ويُطِيعُه (٢).

وخَصّ الصَّالِحِين بِالْمُرَاد بِـ (عِبَادِي) في آية "الإسراء" فَقَال: (إِنَّ عِبَادِي) يُرِيد الصَّالِحِين (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) أي: لا تَقْدِر أن تُغْويَهم. (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) لهم يَتَوَكَّلُون به في الاسْتعَاذة منك، ونَحوه قَوله: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر: ٤٠].

فإن قُلت: كَيف جَاز أن يَأمُر الله إبْلِيس بأن يَتَسَلَّط على عِبَادِه مُغْويًا مُضِلًّا، دَاعِيًا إلى الشَّر، صَادًّا عن الْخَير؟

قلت: هُو مِنْ الأوَامِر الوَارِدَة على سَبِيل الْخُذْلان والتَّخْلِيَة (٣)، كَمَا قَال للعُصَاة: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠] (٤).

وتَسْلِيط الشَّيْطَان بِالوَسْوَسَة والإغْوَاء لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ولِذا قَال الزمخشري في قَوله تَعالى: (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ) [سبأ: ٢١]: مِنْ تَسْليط واسْتِيلاء بِالوَسْوَسَة والاسْتِغْواء إلَّا لِغَرَض صَحِيح، وحِكْمَة بَيِّنَة، وذَلك أن يَتَمَيَّز الْمُؤمِن بِالآخِرَة مِنْ الشَّاك فِيها، وعَلَّلَ التَّسْلِيط بِالعِلْم، والْمُرَاد ما تَعَلَّق بِه العِلْم. وقرئ: (لِيُعْلَم) على البِنَاء للمَفْعُول (٥).