شرح صحيح البخاري - ابن بطال
فعل ما ذكره فى الحديث أن يغفر له جميع الذنوب: صغيرها وكبيرها؛ لأنه لم يستثن ذنبًا دون ذنب، وفى الخبر أن القيام فى ليلة القدر أرجى منه فى غيرها من الليالى. وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ (روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر فى شهر رمضان إلى السماء الدنيا، فجعل فى بيت العزة، ثم نزل على النبى ﷺ فى عشرين سنة. وقال ابن عباس أيضًا: أنزل الله القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر إلى السماء الدنيا، فكان يمواقع النجوم، فكان الله ينزله على رسوله بعضه فى إثر بعض، فقالوا: (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) [الفرقان: ٣٢] . وذكر ابن وهب، عن مسلمة بن على، عن عروة قال: (ذكر رسول الله ﷺ أربعة من بنى إسرائيل فقال: اعبدوا الله ولم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب، وزكريا، وحزقيل، ويوشع بن نون، فعجب أصحاب النبى ﷺ من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرًا من ذلك، ثم قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ (هذا أفضل مما عجبت منه أنت وأمتك، فَسُرَّ بذلك رسول الله ﷺ والناس معه) . قال مالك: وبلغنى عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: من شهد العشاء ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها. وقال ابن عباس: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان: ٤] قال: يكتب فى أم الكتاب فى ليلة القدر ما يكون من السنة إلى السنة. وقال مجاهد: ليلة القدر