Skip to content

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء تبكيت من يشفق لفقد القوت ويبكي لضر

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Printed page ١/ ٦٠٢

من قلّ تفكّره في أمر الأرزاق وتوكّل على الرزّاق

قيل لصوفي من أين رزقك؟ قال: الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين. وقيل لآخر، فقال: من كدك على رغم أنفك رب ساع لقاعد. وقيل لزاهد من أين المطعم؟ فقال: من عند المنعم، فقال: هل بالقرب من يأتيك برزق من قوم؟ قال يأتيني به من لا تأخذه سنة ولا نوم.

وأتى رجل إلى شقيق البلخي يطلبه، فقالت امرأته قد خرج إلى الجهاد، فقال: وما خلف عليكم؟ فقالت: أرزاق شقيق أو مرزوق؟ فقال: بل مرزوق، فقالت: إن المرزوق خلف علينا الرزاق. يا هذا لا تعد إلينا فتفسد على الله قلوبنا، وسئل آخر فقال:

إن الذي شقّ فمي ضامن ... لي الرزق حتّى يتوفّاني

وسئل أحمد بن الجلاء عن قوم يدخلون البادية بلا زاد، قال: هم رجال الحق، قيل: فإن هلك أحدهم، قال: الدية على العاقلة. وقال عبد الواحد بن زيد: اجتزت بجبل لكّام «١» فرأيت جارية سوداء عليها جبة صوف، قلت من أين؟ قالت: من عند من لا تخفى عليه خافية، فقلت: إلى أين؟ قالت: إلى من يعلم السرّ وأخفى، فقلت ليس معك زاد، فنظرت إليّ شزرا وقالت:

من قصد الله لا يبالي ... بأيّ أرض بها يموت

ولم يخامره فسخ عزم ... إن هو أبطأ عليه قوت «٢»

روي عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده أن قوما من اليمن يحجون بلا زاد، فقال: أليس قد قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى

«٣» . وقيل: عجبا لمن آمن بكتاب الله تعالى ثم رفع بعد سماعه لقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ

«٤» حاجة إلى غير الله تعالى.

تبكيت من يشفق لفقد القوت ويبكي لضرّ

شكا رجل إلى الحسن سوء الحال وجعل يبكي، فقال الحسن: يا هذا كل هذا اهتماما بأمر الدنيا، والله لو كانت الدنيا كلها لعبد فسلبها ما رأيتها أهلا لأن يبكى عليها، قال كشاجم:

لا تغد كلّا واجتنب ... أمرا يخاف العبد عاره «٥»

وإذا عدمت من المآ ... كل كلّها فكل الحجاره