تقريب فتاوى ابن تيمية
إنَّهُ مَخْلُوقٌ وَلَا إنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوق؛ بَل مَا اتَّصَفَ بِهِ الرَّبُّ مِن ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا اتَّصَفَ بِهِ الْعَبْدُ مِن ذَلِكَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ.
فَالصِّفَةُ تَتْبَعُ الْمَوْصُوفَ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْصُوفُ هُوَ الْخَالِقَ فَصِفَاتُهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَإِن كَانَ الْمَوْصُوفُ هُوَ الْعَبْدَ الْمَخْلُوقَ فَصِفَاتُهُ مَخْلُوقَةٌ.
وَلَو قَالَ الْقَائِلُ: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] وَمَقْصُودُة الْقُرْآنُ كَانَ قَد تَكَلَّمَ بِكَلَامِ اللهِ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِاتَّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِن قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَو قَالَ لِرَجُل اسْمُهُ يَحْيَى وَبِحَضْرَتِهِ كِتَابٌ: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ لَكانَ هَذَا مَخْلُوقًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ يَحْيَى هنا مُرَادٌ بِهِ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَبِالْكِتَابِ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَيْسَ مُرَادًا بِهِ مَا أَرَادَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ وَالْكَلَامُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ.
[١٢/ ٦٦ - ٦٧]
٨٢ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] (١)، فَرَّقَ بَيْنَ التَّكْلِيمِ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ -كَمَا كَلَّمَ مُوسَى-، وَبَيْنَ التَّكْلِيمِ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ -كَمَا كَلَّمَ الْأَنْبِيَاءَ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ إلَيْهِم-. [١٢/ ١٣٧]