تقريب فتاوى ابن تيمية
مَا أَتْلَفُوهُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِالتَّأوِيلِ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنْهُمْ، لَيْسَ كُفْرًا وَلَا فِسْقًا.
وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِم أَهْلُ الْعَدْلِ لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرَهُمْ، وَلَمْ يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَمْ يَسْبُوا حَرِيمَهُمْ، وَلَمْ يَغْنَمُوا أَمْوَالَهُمْ، فَلَا يُقَاتِلُونَهُم عَلَى مَا أَتْلَفُوهُ مِن النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إذَا أَتْلَفُوا مِثْل ذَلِكَ أَو تَمَلَّكُوا عَلَيْهِم.
فَتَبَيَّنَ أَنَ الْقِصَاصَ سَاقِطٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِن بَابِ الْجِهَادِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْأَجْرُ عَلَى اللهِ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَقَ الْعَبْدِ الْاَمِرِ النَّاهِي.
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَل يُقْتَصُّ مِنْهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى طَمَع مِنْهُ فِي جَانِب الْحَق؟
فَيُقَالُ: مَتَى كَانَ فِيمَا فَعَلَهُ إفْسَادٌ لِجَانِبِ الْحَقّ كَانَ الْحَقّ فِي ذَلِكَ للهِ وَرَسُولِهِ؛ فَيُفْعَلُ فِيهِ مَا يُفْعَلُ فِي نَظِيرِهِ، وَإِن لَمْ يَكُن فِيهِ أَذًى لِلْآمِرِ النَّاهِي.
لَكِنَّ الْإِنْسَانَ تُزَيِّنُ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّ عَفْوَهُ عَن ظَالِمِهِ يُجَرّيهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل قَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّه قَالَ: "وَمَا تَوَاضعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ اللهُ" (١).
فَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَعْفوَ الْإِنْسَانُ عَن حَقِّهِ، ويسْتَوْفِيَ حُقُوقَ اللهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.