تقريب فتاوى ابن تيمية
قِيلَ: الْجَوَابُ عَن ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُن يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ دَائِمَا؛ بَل أَحْيَانًا، كَأَنَّهُ كَانَ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَتَّقِي بِهَا الْحَرَّ وَنَحْو ذَلِكَ .. فَلَمْ يَكُن فِي هَذَا حُجَّة لِمَن يَتَّخِذ السَّجَّادَةَ يُصَلِّي عَلَيْهَا دَائِمًا.
وَالثَّانِي: قَد ذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَت لِمَوْضِعِ سُجُودِهِ لَمْ تَكُنْ بِمَنْزِلَةِ السَّجَّادَةِ الَّتِي تَسَعُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، كَأَنَّهُ كَانَ يَتَّقِي بِهَا الْحَرَّ، هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْغَرِيبِ.
قَالُوا: "الْخُمْرَةُ" كَالْحَصِيرِ الصَّغِيرِ تُعْمَلُ مِن سَعَفِ النَّخْلِ، وَتُنْسَجُ بِالسُّيُورِ وَالْخُيُوطِ، وَهِيَ قَدْرُ مَا يُوضَعُ عَلَيْهِ الْوَجْهِ وَالْأَنْفِ، فَإذَا كَبِرَتْ عَن ذَلِكَ فَهِيَ حَصِيرٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَتْرِهَا الْوَجْهَ وَالْكَعْبَيْنِ مِن حَرِّ الْأَرْضِ وَبَرْدِهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْخُمْرَةَ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ اتِّقَاءِ النَّجَاسَةِ أَو الِاحْتِرَازِ مِنْهَا كَمَا يُعَلِّلُ بِذَلِكَ مَن يُصَلِّي عَلَى السَّجَّادَةِ (١).
أَمَّا الْغُلَاةُ مِن الْمُوَسْوِسِينَ: فَإِنَّهُم لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا عَلَى مَا يُفْرَشُ لِلْعَامَّةِ عَلَى الْأَرْضِ، لَكِنْ عَلَى سَجَّادَةِ وَنَحْوِهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَإذَا لَمْ يَكُن عَالِمًا بالنَّجَاسَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بَاطِنًا (٢) وَظَاهِرًا، فَلَا حَاجَةَ بِهِ حِينَئِذٍ عَن السُّؤَالِ عَن أَشْيَاءَ إنْ أبْدِيَتْ سَاءَتْهُ قَد عَفَا اللهُ عَنْهَا. [٢٢/ ١٦٣ - ١٨٦]