Skip to content

تقريب فتاوى ابن تيمية سورة النساء

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيارابن تيمية

Printed page ٢/ ٣٣٥

وَكَذَلِكَ تقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ أَحْمَد، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ إذَا أَدَّوْهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، هاِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ رَأَى الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ فِي لِحَافٍ، أَو فِي بَيْتِ مِرْحَاضٍ، أَو رَآهُمَا مُجَرَّدَيْنِ أَو مَحْلُوليْ السَّرَاوِيلِ، ويُوجَدُ مَعَ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، مِن وُجُودِ اللِّحَافِ قَد خَرَجَ عَن الْعَادَةِ إلَى مَكَانِهِمَا، أَو يَكُونُ مَعَ أَحَدِهِمَا أَو مَعَهُمَا ضَوْءٌ قَد أَظْهَرَهُ فَرَآه فَأَطْفَأَهُ، فَإِنَّ إطْفَاءَهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِخْفَائِهِ بِمَا يَفْعَلُ، فَإِذَا لَمْ يَكُن مَا يُسْتَخْفَى بِهِ إلَّا مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الْبَيَانِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ.

فَهَذَا الْبَابُ بَابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ فِي الدِّينِ، وَهُوَ مِمَّا جَاءَت بهِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي أَهْمَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَحَدٌ إلَّا بِشُهُودٍ عَايَنُوا أَو إقْرَارٍ مَسْمُوعٍ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَسُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَخِلَافُ مَا فُطِرَتْ عَلَيْهِ الْقُلُوبُ الَّتِي تَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ وَتُنْكِرُ الْمُنْكَرَ، وَيعْلَمُ الْعُقَلَاءُ أَنَّ مِثْل هَذَا لَا تَأْبَاهُ سِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ، فَضْلًا عَن الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ.

وَيدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] فَفِي الْآيَةِ دَلَالَاتٌ:

أَحَدُهَا قَوْلُهُ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ مَجِيءِ كُل فَاسِقٍ بِكُلِّ نَبَأٍ.

بَل هَذِهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِصَابَةَ بِنَبَأِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ لَا يُنْهَى عَنْهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فِي جِنْسِ الْعُقُوبَاتِ (١)، فَإِنَّ