تقريب فتاوى ابن تيمية
وَلهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ عِنْدَهُم قِرَاءَاتُ الْعَشَرَةِ أَو الْأَحَدَ عَشَرَ كَثُبُوتِ هَذِهِ السَّبْعَةِ يَجْمَعُونَ ذَلِكَ فِي الْكُتُبِ، وَيَقْرَؤُونَهُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارجَ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَمْ يُنْكرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ قِرَاءَةَ الْعَشَرَةِ، وَلَكنْ مَن لَمْ يَكُن عَالِمًا بِهَا، أَو لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ؛ كَمَن يَكونُ فِي بَلَد مِن بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِالْمَغْرِبِ أَو غَيْرِهِ، وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ بَعْضُ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ، فَإِنَّ الْقِراءَةَ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: سُنَّةٌ يَأخُذُهَا الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ، كَمَا أَنَّ مَا ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن أَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحَاتِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِن أَنْوَاعِ صِفَةِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَصِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّهُ حَسَنٌ يُشْرَعُ الْعَمَلُ بِهِ لِمَن عَلِمَه، وَأَمَّا مَن عَلِمَ نَوْعًا وَلَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَمَّا عَلِمَهُ إلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مَن عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْه مِن ذَلِكَ (١)، وَلَا أَنْ يُخَالِفَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ: "لَا تَخْتَلِفُوا فَإنَّ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا" (٢).
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الشَاذَّةُ الْخَارِجَةُ عَن رَسْمِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِي .. فَهَذِهِ إذَا ثَبَتَتْ عَن بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَهَل يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ؟