تقريب فتاوى ابن تيمية
فِيهِ فَإِنَّه يُدْفَنُ فِي مَكَانٍ يُصَانُ فِيهِ، كَمَا أَنَّ كَرَامَةَ بَدَنِ الْمُؤْمِنِ دَفْنُهُ فِي مَوْضِع يُصَانُ فِيهِ.
وَإِذَا كُتِبَ شَيء مِن الْقُرْآنِ أَو الذِّكْرِ فِي إنَاءٍ أَو لَوْحٍ وَمُحِيَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَشُرِبَ ذَلِكَ فَلَا بَأسَ بِهِ، نَص عَلَيْهِ أَحْمَد وَغيْرُهُ.
وَقَد كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ فِي مَاءِ زَمْزَمَ: لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنْ لِشَارِبٍ حِلّ وبل.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ النَّهْيَ مِن الْعَبَّاسِ إنَمَا جَاءَ عَن الْغُسْلِ فَقَطْ، لَا عَن الْوُضُوءِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ هُوَ لِهَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّ الْغُسْلَ يُشْبِهُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ. [١٢/ ٥٩٩ - ٦٠٠]
* * *
(الكلام عن الأحرف السبعة)
١٣٣٧ - الْقُرْآنُ الَّذِي بَيْنَ لَوْحَي الْمُصْحَفِ مُتَوَاتِر، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَصَاحِفَ الْمَكْتُوبَةَ اتفَقَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ، وَنَقَلُوهَا قُرآنا عَن النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ مُتَوَاتِرَة مِن عَهْدِ الصَّحَابَةِ، نَعْلَمُ عِلْما ضَرُوريا أَنَّهَا مَا غُيِّرَتْ.
وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ عَن السَّلَفِ الْمُوَافِقَةُ لِلْمُصْحَفِ تَجوزُ الْقِرَاءَةُ بِهَا بِلَا نزاع بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَيعْقُوبَ وَخَلفٍ، وَبَيْنَ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِي وَأبِي عَمْرٍو وَنعَيْمٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِن سَلَفِ الأمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إنَّ الْقِرَاءَةَ مُخْتَصَّة بِالْقُراءِ السَّبْعَةِ.
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ: إنَّمَا جَمَعَ قِرَاءَاتِهِمْ أَبُو بَكْرٍ بنُ مُجَاهِدٍ، بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِن الْهِجْرَةِ، وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَصَدَ أَنْ يَنْتَخِبَ قِرَاءَةَ سَبْعَةٍ مِن قُرَّاءِ الْأمْصَارِ، وَلَمْ يَقُلْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِن الْأَئِمةِ: إنَّ مَا خَرَجَ عَن هَذِهِ السَّبْعَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا إنَّ قَوْلَ النَبِي ﷺ: "أنزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ" (١) أُرِيدَ بِهِ قِرَاءَةُ