Skip to content

المقصد الأسنى الحق

المقصد الأسنى

أبو حامد الغزالي

Printed page ١٢٨

وَجل حَقًا وَالْعَبْد إِن كَانَ حَقًا فَلَيْسَ حَقًا بِنَفسِهِ بل هُوَ حق بِاللَّه ﷿ فَإِنَّهُ مَوْجُود بِهِ لَا بِذَاتِهِ بل هُوَ بِذَاتِهِ بَاطِل لَوْلَا إِيجَاد الْحق لَهُ فقد أَخطَأ من قَالَ أَنا الْحق إِلَّا بِأحد التَّأْويلَيْنِ

أَحدهمَا أَن يَعْنِي أَنه بِالْحَقِّ وَهَذَا التَّأْوِيل بعيد لِأَن اللَّفْظ لَا ينبىء عَنهُ وَلِأَن ذَلِك لَا يَخُصُّهُ بل كل شَيْء سوى الْحق فَهُوَ بِالْحَقِّ

التَّأْوِيل الثَّانِي أَن يكون مُسْتَغْرقا بِالْحَقِّ حَتَّى لَا يكون فِيهِ متسع لغيره وَمَا أَخذ كُلية الشَّيْء واستغرقه فقد يُقَال إِنَّه هُوَ كَمَا يَقُول الشَّاعِر

أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا ... نَحن روحان حللنا بدنا

وَيَعْنِي بِهِ الِاسْتِغْرَاق

وَأهل التصوف لما كَانَ الْغَالِب عَلَيْهِم رُؤْيَة فنَاء أنفسهم من حَيْثُ ذاتهم كَانَ الْجَارِي على لسانهم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَفِي أَكثر الْأَقْوَال وَالْأَحْوَال هُوَ الْحق لأَنهم يلحظون الذَّات الْحَقِيقِيَّة دون مَا هُوَ هَالك فِي نَفسه

وَأهل الْكَلَام لما كَانُوا أبعد فِي مقَام الِاسْتِدْلَال بالأفعال كَانَ الْجَارِي على لسانهم فِي الْأَكْثَر اسْم البارئ الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْخَالِق

وَأكْثر الْخلق يرَوْنَ كل شَيْء سواهُ فيستشهدون عَلَيْهِ بِمَا يرونه وهم المخاطبون بقوله تَعَالَى أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء ٧ سُورَة الْأَعْرَاف الْآيَة ١٨٥

وَالصِّدِّيقُونَ لَا يرَوْنَ شَيْئا سواهُ فيستشهدون بِهِ عَلَيْهِ وهم المخاطبون بقوله تَعَالَى أولم يكف بِرَبِّك أَنه على كل شَيْء شَهِيد ٤١ سُورَة فصلت الْآيَة ٥٣