تفسير البغوي - طيبة
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
(٢٣) ﴾
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قَرَأَ عَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ: ﴿فَمَكَثَ﴾ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: غَيْرَ طَوِيلٍ، ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ وَالْإِحَاطَةُ: الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، يَقُولُ: عَلِمْتُ مَا لَمْ تَعْلَمْ، وَبَلَغْتُ مَا لَمْ تَبْلُغْهُ أَنْتَ وَلَا جُنُودُكَ، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِنْ "سَبَأٍ" [وَ"لِسَبَأٍ" فِي سُورَةِ سَبَأٍ، مَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ الْقَوَّاصُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ] (١) سَاكِنَةً بِلَا هَمْزَةٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْإِجْرَاءِ، فَمَنْ لَمْ يَجُرَّهُ جَعَلَهُ اسْمَ الْبَلَدِ، وَمَنْ أَجْرَاهُ جَعَلَهُ اسْمَ رَجُلٍ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ سَبَأٍ فَقَالَ: "كَانَ رَجُلًا لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْبَنِينَ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ" (٢) . ﴿بِنَبَإٍ﴾ بِخَبَرٍ، ﴿يَقِينٍ﴾ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ وَكَانَ اسْمُهَا بِلْقِيسَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، مِنْ نَسْلِ يَعْرِبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَكَانَ أَبُوهَا مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، قَدْ وُلِدَ لَهُ أَرْبَعُونَ مَلِكًا هُوَ آخِرُهُمْ، وَكَانَ يَمْلِكُ أَرْضَ الْيَمَنِ كُلَّهَا، وَكَانَ يَقُولُ لِمُلُوكِ الْأَطْرَافِ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ كُفُؤًا لِي، وَأَبَى أَنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِمْ، فَزَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنَ الْجِنِّ يُقَالُ لَهَا رَيْحَانَةُ بِنْتُ السَّكَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِيسَ، [وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيْرَهَا، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ إِحْدَى أَبَوَيْ بِلْقِيسَ كَانَ جِنِّيًا (٣) . فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بِلْقِيسَ] (٤) طَمِعَتْ فِي الْمُلْكِ فَطَلَبَتْ مِنْ قَوْمِهَا أَنْ يُبَايِعُوهَا فَأَطَاعَهَا قَوْمٌ وَعَصَاهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ، كُلُّ فِرْقَةٍ اسْتَوْلَتْ عَلَى طَرَفٍ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي مَلَّكُوهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَتَّى كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى حَرَمِ رَعِيَّتِهِ وَيَفْجُرُ بِهِنَّ، فَأَرَادَ قَوْمُهُ خَلْعَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ بِلْقِيسُ