شرح الأربعين النووية - العباد
طلب البينة في الأمور الدينية
كما أن البينة تكون مطلوبة في أمور الدنيا فإنها مطلوبة في أمور الدين، وذلك أن من يدعي محبة الله ورسوله ﵊ لا تقبل دعواه دون أن يقيم البينة، والبينة هي اتباع الرسول ﷺ، فمن ادعى محبة الله ورسوله فالبينة التي تدل على صدقه أن يكون متابعاً للرسول ﷺ، وأن يكون سائراً على نهج الرسول ﵊، هذه هي البينة، ليس كل من يدعي أنه محب للرسول ﷺ يكون صادقاً في ذلك؛ لأن من الناس من يدعي محبته ﷺ، وعلامتها عنده ارتكاب أمور مبتدعة، أو أمور محرمة غير سائغة مستنده فيها دعواه أنه يحب الرسول ﷺ، ولكنه يأتي بالبدع، فيأتي -مثلاً- يتمسح بالجدران التي عند قبره، ويقول: أنا أحب الرسول ﷺ، وهو يعصي الله ورسوله ﵊، فهذه ليست علامة المحبة.
يحتفل بميلاده ﷺ ويقول: أنا أحبه.
وهذه ليست علامة المحبة، فالمحبة هي الاتباع، قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] وهذه الآية يسميها بعض العلماء: آية الامتحان والاختبار، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة، والبينة هي الاتباع ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] فالبينة والعلامة على محبته للرسول ﷺ أن يكون متبعاً له، سائراً على نهجه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وعلى هذا فإن الدعاوى بدون بينات لا عبرة بها ولا قيمة لها، وإنما المعول عليه في الدعاوى هو البينات التي يأتي بها المدعي، فإذا أتى المدعي بالبينة على دعواه فعند ذلك تكون الدعوى صحيحة ويكون صادقاً فيما يقول، وأما إذا كانت الدعوى مجرد كلام ولم يأت بالبينة فيما يتعلق بأمور الدنيا -وهي الشهود وغير ذلك مما يثبت به الحق- وكذلك -أيضاً- في أمور الدين، حيث يدعي محبة الرسول ﷺ وهو مخالف لمنهجهه وطريقته وسنته ﷺ فإن هذه مجرد دعوى ولا عبرة بها، وإنما تكون الدعوى معتبرة إذا أقيمت البينة على ذلك، والبينة على ذلك هي اتباع الرسول ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
فقوله: ((فَاتَّبِعُونِي)) هذا هو الدليل على صدق المحبة، فإذا وجد الاتباع فإن الدعوى قد أقيمت عليها البينة، وإن وجدت الدعوى ولكن وجد ما يخالفها ووجدت معصية الله ورسوله ﷺ فإن هذا ينافي المحبة، ولا يكون الإنسان صادقاً في دعواه بأنه يحب الرسول صلوات وسلامه وبركاته عليه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.