شرح الأربعين النووية - العباد
شرح حديث (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)
قال المصنف ﵀: [عن عبد الله بن بشر رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فدلني على شيء أتمسك به، فقال: (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ﷿ خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ].
هذا الحديث فيه حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم على الخير وسؤالهم عن أمور الدين وعن الأمور الجامعة التي يحصلون فيها الأجور العظيمة، وهي أعمال خفيفة ويسيرة لا مشقة فيها، بل عملها يسير وفضلها كبير وجزاؤها عظيم من الله ﷾، فهو يسأل ويقول: (إن شرائع الإسلام كثرت علي) والمقصود من ذلك: النوافل، وإلا فإن الفرائض يتعين على كل مسلم أن يأتي بها، ولكن السائل يسأل عن الشيء الذي يمكنه أن يعتني به وأن يحرص عليه فيما يتعلق بالنوافل، فهو يطلب أن يدله ﷺ على باب منها يتمسك به يكون جامعاً للخير ومحصلاً للأجر، كما سبق أن مر بنا في الحديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه).
فلما أراد باباً جامعاً يتمسك به من أبواب الخير فيما يتعلق بالنوافل أرشده النبي ﷺ ألا يزال لسانه رطباً من ذكر الله ﷿؛ وذلك بكثرة ذكر الله ﷾.
ومعلوم أن ذكر الله ﷿ يطلق إطلاقاً عاماً ويطلق إطلاقاً خاصاً، فإطلاقه العام يدخل تحته الصلوات، ويدخل تحته قراءة القرآن، ويدخل تحته الأذكار، وأما الذكر الخاص فهو الأذكار الخاصة كالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، فإن هذه الأذكار هي الذكر الخاص، وإلا فإن الصلاة ذكر لله ﷿؛ لأنها مشتملة على ذكر الله من أولها إلى آخرها، وكذلك قراءة القرآن فهو خير الذكر وخير الكلام وأفضل الكلام، ثم بعد ذلك الأذكار التي مع الأدعية؛ لأن الأدعية هي سؤال الله ﷿ ما يريده الإنسان، وأما الأذكار فهي الثناء على الله ﷿ بما يليق به من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وهذه هي الأذكار التي أرشد النبي ﷺ أن يكون الإنسان لسانه رطباً بها، وذلك سهل عليه في أي وقت وفي أي حين، والنبي ﷺ -كما ثبت في الصحيح- كان يذكر الله على كل أحيانه، والله ﷿ أمر بذكره فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢].
وأثنى الله ﷿ على الذاكرين والذاكرات فقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، ذكر ذلك في جملة الخصال العشر التي ذكرها الله ﷿ في سورة الأحزاب.
فهذا هو المعنى الذي عناه الرسول ﷺ في قوله: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، وهذا لا شك أنه من جوامع كلمه ﷺ؛ لأن الإنسان يأتي بذكر الله ﷿، وذكر الله ﷿ هو تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وتعظيم وثناء على الله ﷿، ويكون لسانه رطباً بذلك؛ لأنه إذا كان مشتغلاً بذكر الله ﷿ صار منشغلاً عن غير ذكر الله ﷿ من الكلام الذي لا يليق والذي لا ينبغي، فتعويد الإنسان نفسه أن يكون ذاكراً لله يحصل به الحسنات العظيمة لعمل يسير وشيء سهل خفيف، ولهذا جاء عن النبي ﷺ في آخر حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، وهما من ذكر الله ﷿، فوصفهما بأنهما خفيفتان على اللسان، وذكر الله ﷿ كله خفيف على اللسان.
فأرشد النبي ﷺ إلى هذا العمل العظيم الذي هو إدامة ذكر الله وكثرة ذكره ﷾، وهذا يكون من الإنسان وهو ماشٍ وقائم وقاعد ومضطجع وفي جميع أحواله، وذلك سهل عليه؛ لأنه لا يحتاج إلى كلفة ولا يحتاج إلى مشقة، وليس فيه إلا تحريك اللسان بخير، حتى يعود على الإنسان بخير، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
وبهذا يكون انتهينا من شرح الأحاديث الأربعين أو الاثنين وأربعين التي جمعها الإمام النووي ﵀ المتوفى سنة (٦٧٦هـ)، ثم الثمانية التي أضافها الحافظ ابن رجب المتوفى سنة (٧٩٥هـ).
وهذا الذي ختم به ابن رجب لا شك أنه ختام عظيم، وهو نظير ختم البخاري لكتابه بحديث: (كلمتان خفيفتان على اللسان)، كما أن الإمام النووي ﵀ ختم الاثنين والأربعين بحديث أنس بن مالك الذي فيه: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).
فالإمام النووي ﵀ ختم بذلك الحديث، وابن رجب ﵀ ختم بهذا الحديث، والبخاري ﵀ ختم بذلك، ولهذا تابعه بعض العلماء فختموا كتبهم بهذا الحديث، فإن المنذري ختم به كتابه الترغيب والترهيب.