مجمع الغرائب ومنبع الرغائب
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «البَصْرَةُ إِحْدَى المُؤْتَفِكاتِ، فَانْزِلْ فِي ضَواحِيها، وَإِيَّاكَ وَالمَمْلَكَةَ» (١).
أَرادَ بِالمَمْلَكَةِ: وَسَطَها.
•
(ملل)
فِي الحَدِيثِ: «أَلِحُّوا فِي المَسْأَلَةِ، فَإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» (٢).
قالُوا: فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُها: أَنَّ (٣) مَعْنَاهُ: فَإِنَّ اللهَ لا يَمَلُّ أَبَدًا، مَلِلْتُمْ (٤) أَنْتُمْ أَمْ لَمْ تَمَلُّوا، فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى التَّأْبِيدِ، كَقَوْلِهِمْ: حَتَّى يَشِيبَ الغُرابُ، وَيَبْيَضَّ القارُ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ اللَّفْظَ لا يُشْعِرُ بِهِ؛ لأَنَّ مَلَلَهُمْ مُمْكِنٌ، وَشَيْبَ الغُرَابِ وَبَياضَ القَارِ مُمْتَنِعٌ. وَالوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللهَ لا يَتْرُكُكُمْ وَلَا يَطَّرِحُكُمْ مَا لَمْ تَتْرُكُوا العَمَلَ لَهُ، وَتَزْهَدُوا فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ. فَكَنَى عَنِ الْفِعْلَيْنِ بِالمَلَلِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي حَقِيقَتِهِ، وَلَكِنَّهُما مُتَوافِقانِ فِي المَعْنَى. وَالوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ: لا يَقْطَعُ اللهُ عَنْكُمْ فَضْلَهُ مَا لَم تَمَلُّوا سُؤالَهُ. فَسَمَّى جزاء المَلَلِ مَلَلًا؛ لِيَتَطابَقَ اللَّفْظَانِ، وَإِنْ خَالَفَ أَحَدُهُمَا الثَّانِي فِي الحَقِيقَةِ، كَما قالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ (٥)، وَكَما