البداية والنهاية - ط دار ابن كثير - التكملة
بوفاة قاضي القضاة ابن دَقِيْق العِيْد، ومعه كتابٌ من السلطان إلى قاضي القضاة ابن جَماعة (١)، فيه تعظيم له واحترام وإكرام، يستدعيه إلى قربه ليباشر وظيفَة القضاة بمصر على عادته، فتهيأ لذلك، ولما عزم، خرج معه نائب السلطنة الأفْرم وأهل الحَلّ والعقد، وأعيان الناس ليودِّعوه. وستأتي ترجمة ابن دقيق العيد في الوفيات.
ولما وصل ابن جَماعة إلى مصر أكرمه السلطان إكرامًا زائدًا (٢)، وخلع عليه خلعة صوف وبغلةً تساوي ثلاثة آلاف درهم، وباشر الحكم بمصر يوم السبت رابع ربيع الأول.
ووصلت رسل التتار في أواخر ربيع الأول قاصدين بلاد مصر، وباشر الشيخ (٣) شرف الدين الفزاري مشيخة دار الحديث الظاهرية (٤) يوم الخميس ثامن ربيع الآخر عوضًا عن الشيخ (٥) شرف الدين الناسخ، وهو أبو حفص عمر بن محمد بن عمر بن حسن بن خواجا إمام الدين، الفارسي، توفي بها عن سبعين سنة، وكان فيه بِرٌّ ومعروف وله أخلاق حسنة. رحمه الله تعالى.
وذكر الشيخ شرف الدين المذكور درسًا مفيدًا، وحضر عنده جماعة من الأعيان.
وفي يوم الجمعة حادي عشر (٦) جمادى الأولى خلع على قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى (٧) بقضاء الشام عوضًا عن ابن جَمَاعة. وعلى الفارقي (٨) بالخطابة. وعلى الأمير ركن الدين بيبرس التِلَاوي (٩) بشدِّ الدواوين؛ وهنَّأهم الناس. وحضر نائب السلطنة والأعيان المقصورة لسماع الخطبة. وقُرئ تقليد ابن صَصْرَى بعد الصلاة، ثم جلس في الشباك الكمالي وقُرئ تقليدُه مرةً ثانية.
وفي جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة كتابٌ مزوَّر فيه أن الشيخ تقي الدين بن تيمية (١٠) والقاضي شمس الدين بن الحريري (١١) وجماعة من الأمراء والخواص الذين بباب السلطنة يناصحون