تاريخ البرزالي المقتفي لتاريخ أبي شامة - ت تدمري
ملكهم اللعين، فسجد له وتضرّع بين يديه، وعرّفه بما عزم عليه وسأل منه إعانة جميع السلاطين ليخلصوا بجزيرة الأندلس مستريحين من المسلمين، فاستحسن رأيه، وأكد عزمه، وأخذ منه على ما قال عهودا وأيمانا، ووعده زورا وبهتانا، وزادهم في العزم نفورا، ووعدهم بالنصر ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١). ولما بلغ المسلمين ذلك عزموا على أن يوجّهوا إلى سلطان المغرب أبي سعيد عثمان ابن السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المرّيني من يعوّل عليه ويرجى إسعافه إذا وصل إلى بين يديه، فعبر البحر السادة الصلحاء الخطباء العلماء أبو عبد الله الطنجالي محدّث الأندلس وعالمها، وأبو عبد الله الساحلي عابد الأندلس، وأبو جعفر بن الزيّات الصوفي، وأبو تمّام غالب الغرناطي (البيّازي) (٢) الصالح، الزاهد، وصحبهم جماعة من الناس، ووصلوا حضرته مدينة/٣٣٠ ب/فاس، فعرّفوه الحال، وأفصحوا له المقال، وطلبوا من جيشه وإعانته، على أن ترجع رندة (٣) والجزيرة الخضراء إلى ملكه وإيالته، فكأنّهم يكلّمون في ذلك أهل القبور، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤)، وكان بما طلب منه ظنين (٥)، وردّهم على عجل خائبين، فوجد المسلمون من ذلك وجدا عظيما، فلجأوا إلى الله ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (٦)، فأخذ المسلمون في إصلاح الجزيرة الخضراء وحصّنوها بالعدد والبناء.
ولما علم أعداء الله برجوعهم خائبين أبرموا الحركة مسرعين فخرجوا والنحس يقدمهم، والقضاء يزعجهم للموت، ويسلمهم في جيش لا يحصره عدد ولا إحصاء، ولا يقدر أحد في تقديره على استقصاء، وناهيك من جيش اشتمل على خمسة وعشرين سلطانا، منهم صاحب اشتونة (٧)، وقشتالة (٨)، والفرنتيرة (٩)، وآرغون (١٠)،