Skip to content

التبصرة لابن الجوزي المجلس التاسع عشر في قصة داود عليه السلام

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Printed page ١/ ٢٨٤

ذَكَرَ هَذَا الْعَدَدَ لأَنَّهُ عَدَدُ نِسَاءِ دَاوُدَ ﴿فقال أكفلنيها﴾ أَيِ انْزِلْ أَنْتَ عَنْهَا وَاجْعَلْنِي أَنَا أَكْفُلُهَا ﴿وعزني في الخطاب﴾ أَيْ غَلَبَنِي فِي الْقَوْلِ. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: ﴿وَعَازَنِي﴾ أَيْ غَالَبَنِي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنْ دَعَا وَدَعَوْتُ كَانَ أَكْثَرَ مِنِّي وَإِنْ بَطَشَ وَبَطَشْتُ كَانَ أَشَدَّ مِنِّي.

﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ وَلَمْ يَسْمَعْ كَلامَ الآخَرِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الآخَرَ اعْتَرَفَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ , وَحَذَفَ ذِكْرَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِفَهْمِ السَّامِعِ , والعرب تقول: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال. أي فتجرت فكسبت.

والخلطاء الشركاء وظن أي أيقن وعلم ﴿أنما فتناه﴾ أَيِ ابْتَلَيْنَاهُ بِمَا جَرَى لَهُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ.

وَفِي سَبَبِ تَنَبُّهِهِ لِذَلِكَ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَلَكَيْنِ أَفْصَحَا لَهُ بِذَلِكَ. قَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ دَاوُدُ لِلْخَصْمِ الآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: نَعَمْ أُرِيدُ أَنْ آخُذَهَا مِنْهُ وَأُكْمِلَ بِهَا نِعَاجِي وَهُوَ كَارِهٌ. قَالَ: إِذًا لا ندعك , وإن رمت هذا ضر بنا مِنْكَ هَذَا وَهَذَا. يُشِيرُ إِلَى أَنْفِهِ وَجَبْهَتِهِ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ يَا دَاوُدُ أَحَقُّ أَنْ يُضْرَبَ هَذَا مِنْكَ , حَيْثُ لَكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ امْرَأَةً وَلَمْ يَكُنْ لأوريَا إِلا وَاحِدَةٌ. فَنَظَرَ دَاوُدُ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا فَعَرَفَ مَا وَقَعَ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا عَرَجَا وَهُمَا يَقُولانِ: قَضَى الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ , فَعَلِمَ أَنَّهُ عُنِيَ بِذَلِكَ قَالَهُ وَهْبٌ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بَيْنَهُمَا نَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ وَهُوَ يَضْحَكُ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَنْظُرُ , فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ ابْتَلاهُ بِذَلِكَ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ راكعا﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ سَاجِدًا فَعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ , لأَنَّهُ بِمَعْنَى الانْحِنَاءِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: بَقِيَ فِي سُجُودِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلا لِوَقْتِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ أَوْ حَاجَةٍ لا بُدَّ مِنْهَا , وَلا يَأْكُلُ