Skip to content

التبصرة لابن الجوزي المجلس الثاني عشر في قصة يوسف عليه السلام الكلام على البسملة

التبصرة لابن الجوزي

ابن الجوزي

Printed page ١/ ١٨٦

الْكَلامُ عَلَى الْبَسْمَلَةِ

(إِلَى أَيِّ حِينٍ أَنْتَ في صبوة لاهي ... أمالك مِنْ شَيْءٍ وُعِظْتَ بِهِ نَاهِي)

(وَيَا مُذْنِبًا يَرْجُو مِنَ اللَّهِ عَفْوَهُ ... أَتَرْضَى بِسَبْقِ الْمُتَّقِينَ إِلَى اللَّهِ)

يَا مُبَارِزًا بِالْعَظَائِمِ كَيْفَ أَمِنْتَ فنمت , يا مصرا على الجرائم عجباً إِنْ سَلِمْتَ , يَا مُبَذِّرًا مُنْذَرًا كَأَنَّهُ مَا يَسْمَعُ , إِنْ فَاجَأَكَ الْعَذَابُ فَمَاذَا تَصْنَعُ , تَدَبَّرْ عُقْبَى أَبِي الآبَاءِ إِلَى مَا آبَ , وَتَفَكَّرْ في حال المذنبين فبئس المآب , بيناهم فِي أَمْنٍ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُمْ وَنَعَقَ بَيْنَهُمْ لِلْبَيْنِ غُرَابٌ , فَتَرَاكَمَ رُكَامُ الْهَوَامِّ عَلَيْهِمْ فِي الْهَوَاءِ وَاللُّعَابِ , وَمَرَّ مَرِيرُ الرِّيقِ فَمَشَى فِي الْمُشَارِعِ الْعَذَابُ , وَامْتَدَّ سَاعِدُ الْبَلاءِ إِلَى إِغْلاقِ بَابِ الْعِتَابِ , وَسُئِلُوا عَنْ جَوْرِهِمْ فَقَوِيَ قَلَقُ الْجَوَى فِي الْجَوَابِ , وَذَاقُوا بَعْدَ حَلاوَةِ الْخِلافِ مِنْ أَخْلافِ الأَوْصَابِ الصَّابِّ , وَانْتَقَى الانْتِقَامُ نَقِيَّ لَذَّاتِهِمْ فَخَلَتْ مِمَّا لَذَّ أَوْ طَابَ , وَنَشَبَتْ فِي شَيْبِهِمْ وَشَبَابِهِمْ شَبَا سُيُوفِ الذَّمِّ وَعَتَا الْعِتَابُ , وَدَخَلُوا إِلَى نَارٍ تُهَابُ أَوْصَافُهَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الالْتِهَابِ , فَلَمَّا سَالَتِ الْعُيُونُ دَمًا قَرَّعُوا بِالأَنَامِلِ نَدَمًا لَمَّا نَابَ النَّابُ وَحَطَّ مِنْ رُبًا مِنْهُمْ عَلَى الرُّبَا فَاسْتَبْدَلَ صَوْتَ الأَسَى عَنِ الرَّبَابِ , فَاحْذَرُوا أَنْ يُصِيبَكُمْ من نصيبكم مِثْلُ حِصَصِهِمْ , فَلَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ.

(وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا جَمَحَتْ بِهِمْ ... تِلْكَ الطَّبِيعَةُ نَحْوَ كُلِّ تَيَّارِ)

(تَهْوَى نُفُوسُهُمْ هَوَى أَجْسَامِهِمْ ... شُغُلا بِكُلِّ دَنَاءَةٍ وَصَغَارِ)

(تَبِعُوا الْهَوَى فَهَوَى بِهِمْ وَكَذَا الْهَوَى ... مِنْهُ الْهَوَانُ بِأَهْلِهِ فَحَذَارِ)

(فَانْظُرْ بِعَيْنِ الْحَقِّ لا عَيْنِ الْهَوَى ... فَالْحَقُّ لِلْعَيْنِ الْجَلِيَّةِ عَارِ)

(قَادَ الْهَوَى الْفُجَّارُ فَانْقَادُوا لَهُ ... وَأَبَتْ عَلَيْهِ مَقَادَةُ الأَبْرَارِ)

إِخْوَانِي: مَنْ فَعَلَ مَا يُحِبُّ لَقِيَ مَا يَكْرَهُ , وَمَنْ صَبَرَ عَلَى مَا يَكْرَهُ نَالَ مَا يُحِبُّ , لا تَقْطَعْ مُشَاوَرَةَ الْعَقْلِ قَبْلَ مُشَاوَرَةِ الْهَوَى , فَإِنَّ الْمُسْتَبِدَّ بِرَأْيِهِ وَاقِفٌ عَلَى مَدَاحِضِ الزَّلَلِ , لَمْ تَزَلْ أَكُفُّ الْعَقْلِ ضَابِطَةً أَعِنَّةَ النُّفُوسِ غَيْرَ أَنَّ الْعَزْمَ يَنْقَلِبُ ,