التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
أحدُهما: أن هارونَ كان خليفةَ موسى في حياته، ولم يكن عليٌّ خليفةَ رسولِ اللَّه ﷺ في حياتِه، وإذا جاز أن يتأخَّرَ عليٌّ عن خلافةِ رسولِ اللَّه ﷺ في حياتِه -على حسَبِ ما كان هارونُ خليفةَ موسى في حياتِه- جاز أن يتأخَّرَ بعدَ موتِه زمانًا، ويكونَ غيرُه مقدَّمًا عليه، ويكونَ معنى الحديثِ القصدَ إلى إثباتِ الخلافةِ له كما ثبت لهارون، لا أنه استحقَّ تعجيلَها في الوقت الذي تعجَّلها هارونُ من موسى ﵉.
والوجهُ الآخر: أن هذا الكلامَ إنما خرَج من النبيِّ ﷺ في تفضيل عليٍّ ومعرفةِ حقِّه لا في الإمامة؛ لأنه ليس كلُّ مَن وجَب حقُّه وصار مُفضَّلًا استحقَّ الإمامة؛ لأنَّ هارونَ مات قبل موسى بزمان، واستخلَف موسى بعدَه يُوشَعَ بنَ نون، فهارونُ إنما كان خليفةَ موسى في حياتِه، وقد عُلِم أن عليًّا لم يكن خليفةَ النبيِّ ﷺ في حياتِه، ولم يكنْ هارونُ خليفةَ موسى بعد موتِه، فيكونَ ذلك دليلًا على أنَّ عليًّا خليفةُ رسولِ اللَّه ﷺ بعدَ موتِه.
قال أبو عُمر: كان هذا القولُ من النبيِّ ﷺ لعليٍّ حينَ استخلَفه على المدينة في وقتِ خُروجِه غازيًا غزوةَ تبوك، وهذا استخلافٌ منه في حياتِه، وقد شرِكَه في مثل هذا الاستخلافِ غيرُه ممَّن لا يدَّعي له أحدٌ خلافةً؛ جماعةٌ قد ذكَرهم أهلُ السِّيَر، وقد ذكَرناهم في كتاب الصحابة، وليس في استخلافِه حينَ قال له ذلك القولَ دليلٌ على أنه خليفةٌ بعدَ موتِه. واللَّهُ أعلم.
وأما قولُه ﷺ: "مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه" (١)، فمحتملٌ للتأويل؛ لأنَّ