التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
﴿إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: بني حَنِيفةَ أهلَ اليمامةِ مع مُسَيْلِمة (١)، وقال آخرون: أراد فارسَ (٢). فإن كان كما قالوا: أهلَ اليمامة، فأبو بكر هو الذي دَعَا إلى قتالهم، وإن كانوا فارسَ فعمرُ دعاهُم إلى قتالهم، وعمرُ إنما استخلَفه أبو بكر، فعلى أيِّ الوجهَيْن كان فالقرآنُ يقتضي بما وصَفنا إمامةَ أبي بكر وخلافتَه، وإن كان أراد فارسَ فهو دليلُ إمامةِ عمرَ وخلافتِه. وقد قال مَن لا علمَ له بتأويل القرآن: إنهم هوازنُ وحُنينٌ، وهذا ليس بشيء؛ لقول اللَّه: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، وقوله: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآيةَ. ومعلومٌ أنَّ مَن واسَى رسولَ اللَّه ﷺ وصحبَه أخيرًا لا يلحقُ في الفضل بمَن واساه ونصَره وصحِبه أولًا؛ قال اللَّه ﷿: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]. وكان أبو بكرٍ أولَ الناسِ عزَّر رسولَ اللَّه ﷺ ونصَره وآمَن به وصدَّقه وصبَر على الأذى فيه، فاستحقَّ بذلك الفضلَ العظيم؛ لأنَّ كلَّ ما صنَعه غيرُه بعدَه قد شارَكه فيه، وفاتَهم وسبَقهم بما تقدَّم إليه، فلِفَضْله ذلك استحقَّ الإمامة، إذ شأنُها أن تكونَ في الفاضل أبدًا ما وُجِد إليه السبيل. والآثارُ في فضائلِه ليس هذا موضعَ ذكرها، وإنما ذكَرنا استحقاقَه للخلافة بدليل الكتاب والسُّنة.