Skip to content

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم الثاني والأربعون: أن هؤلاء عكسوا شرعة الله وحكمته

الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ١/ ٥٤٦

والعكس المستوي (١). وما شاكل هذا ممَّا لا يسمع من مسلمٍ ولا يهوديٍّ ولا نصرانيٍّ ولا مجوسيٍّ إلَّا من رضي لنفسه بما رضي به هؤلاء المتخلفون لأنفسهم، ورغب فيما رغبوا فيه.

وبالجملة فهما طريقان متباينان، فمن أراد أن يتمعقل بعقول هؤلاء فليعزل نظره عن الوحي، ويُخَلِّ بينه وبين أهله، ومن أحب أن يكون من أهل العقل والوحي فليعتصم بالوحي ويستمسك بغَرْز (٢) من جاء به، ويُسلِّم إليه أعظم من تسليم الصبي لأستاذه ومُعلِّمه بكثيرٍ؛ فإن التبايُن الذي بين النَّبي وبين صاحب المعقول أضعاف أضعاف التباين الذي بين الصبي والأستاذ.

ومن العجب أن هؤلاء المقدِّمين عقولهم على الوحي خاضعون لأئمتهم وسلفهم، مستسلمون لهم في أمورٍ كثيرةٍ. يقولون: هم أعلم بها منَّا، وعقولهم أكمل من عقولنا، فليس لنا أن نعترض عليهم. فكيف يعترض على الوحي بعقله مَن نسبته إليه أدق وأقل من نسبة عقل الطفل إلى عقله؟!

وجِمَاع الأمر أن قضايا المعقول مشتملة على العلم والظنِّ والوهم، وقضايا الوحي كلها حقٌّ، فأين قضايا مأخوذة عن عقلٍ قاصرٍ عاجزٍ عرضةٍ للخطأ من قضايا مأخوذة عن خالق العقول وواهبها هي كلامه وصفاته؟!