الاستغاثة في الرد على البكري
يسألنا أحب إلينا ممن سألنا"، وكانوا يسألونه ما يقدر عليه؛ فكيف إذا طلبوا منه ما لا يقدر عليه مخلوق؟! وفي الجملة فمطالب الناس لا تنضبط في خيرها وشرها وقلَّتها وكثرتها، فمن سلط الناس على الرسول يطلبون هذا كله منه فهو من أعظم الناس إساءة إليه، وإن كان لا يقصد ذلك لكن عبارته أفهمته؛ فهي من [أسوأ] (١) العبارات.
الرابع: إن الكلام إذا كان في سياق توحيد الرب ونفي خصائصه عما سواه؛ لم يجز أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجلّ من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي (٢) ﷺ كان من أعظم الناس تقريراً لما يقال [على هذا] (٣) الوجه، وإن كان نفسه المسلوب، وهذا كما في الصحيحين من حديث الإفك لما نزلت براءة عائشة من السماء وأخبرها النبي ﷺ بذلك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ، فقالت: "والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا إياكما، لقد سمعتم فلا أنكرتم ولا غيرتم، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي" (٤)، وفي رواية قالت: "نحمد الله لا نحمد أحداً"، وفي رواية: "نحمد الله لا نحمدك" (٥)، فأقرها النبي ﷺ، وأبوها على مثل هذا الكلام، الذي نفت فيه