فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط 4
قال الحافظ: وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ أَعْنَاب الْبِلَاد، فَقَدْ قَالَ اِبْن حَزْم: إِنَّهُ شَاهَدَ مِنْ الْعَصِير مَا إِذَا طُبِخَ إِلَى الثُّلُث يَنْعَقِد وَلَا يَصِير مُسْكِرًا أَصْلًا، وَمِنْهُ مَا إِذَا طُبِخَ إِلَى النِّصْف كَذَلِكَ، وَمِنْهُ مَا إِذَا طُبِخَ إِلَى الرُّبْع كَذَلِكَ. بَلْ قَالَ: إِنَّهُ شَاهَدَ مِنْهُ مَا يَصِير رُبًّا خَاثِرًا لَا يُسْكِر، وَمِنْهُ مَا لَوْ طُبِخَ لَا يَبْقَى غَيْر رُبْعه لَا يَخْثُر وَلَا يَنْفَكّ السُّكْر عَنْهُ. قَالَ: فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَل مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَة مِنْ أَمْر الطِّلَاء عَلَى مَا لَا يُسْكِر بَعْد الطَّبْخ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدٍ صَحِيح أَنَّ النَّار لَا تُحِلّ شَيْئًا وَلَا تُحَرِّمهُ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيق عَطَاء عَنْهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ يُرِيد بِذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي الطِّلَاء. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ قَالَ: هُوَ الَّذِي يَصِير مِثْل الْعَسَل، وَيُؤْكَل وَيُصَبّ عَلَيْهِ الْمَاء فَيُشْرَب.
ثم ذكر أثر ابن عباس ﵄: اشرب العصير ما دام طريًّا.
قال: وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق أَبِي ثَابِت الثَّعْلَبِيّ قَالَ: كُنْت عِنْد اِبْن عَبَّاس، فَجَاءَهُ رَجُل يَسْأَلهُ عَنْ الْعَصِير؟ فَقَالَ: اِشْرَبْهُ مَا كَانَ طَرِيًّا. قَالَ: إِنِّي طَبَخْت شَرَابًا وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْء. قَالَ: أَكُنْت شَارِبه قَبْل أَنْ تَطْبُخهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِنَّ النَّار لَا تُحِلّ شَيْئًا قَدْ حُرِّمَ (١). وَهَذَا يُقَيِّد مَا أُطْلِقَ فِي الْآثَار الْمَاضِيَة، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يُطْبَخ إِنَّمَا هُوَ الْعَصِير الطَّرِيّ قَبْل أَنْ يَتَخَمَّر، أَمَّا لَوْ صَارَ خَمْرًا فَطُبِخَ؛ فَإِنَّ الطَّبْخ لَا يُطَهِّرهُ، وَلَا يُحِلّهُ إِلَّا عَلَى رَأْي مَنْ يُجِيز تَخْلِيل الْخَمْر، وَالْجُمْهُور