Skip to content

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية مسألة قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية

أبو بكر ابن العربي

Printed page ٢/ ١٢٧

فَقَالَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].

[مَسْأَلَة قَوْله تَعَالَى وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ]

ثُمَّ قَالَ لَهُ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: وَالْقِسْطُ هُوَ الْعَدْلُ، وَذَلِكَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ شُهُودٌ مِنَّا عُدُولٌ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْكُفَّارِ عَدْلٌ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَفَضِيحَةَ الْيَهُودِ حَسْبَمَا شَرَحْنَا؛ وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ. وَلَوْ نَظَرَ إلَى الْحُكْمِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَرْسَلَ إلَى ابْنِ صُورِيَّا، وَلَكِنَّهُ اجْتَمَعَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ الْوُجُوهُ فِيهِ مِنْ قَبُولِ التَّحْكِيمِ وَإِنْفَاذِهِ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَهِيَ الْحَقُّ حَتَّى يُنْسَخَ، وَبِشَهَادَةِ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ دِينٌ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ بِالْعُدُولِ مِنَّا.

[مَسْأَلَة قَوْله تَعَالَى يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ]

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ: وَمُحَمَّدٌ مِنْهُمْ؛ يَحْكُمُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَمُطْلَقُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، آخِرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.

[مَسْأَلَةُ قَوْله تَعَالَى وَمِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ]

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهُ لِلْيَهُودِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَافِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ، وَالظَّالِمُونَ لِلْيَهُودِ، وَالْفَاسِقُونَ لِلنَّصَارَى، وَبِهِ أَقُولُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ. قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ.

وَهَذَا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ.