Skip to content

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية مسألة معنى قوله تعالى اللاتي هاجرن معك

أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية

أبو بكر ابن العربي

Printed page ٣/ ٥٩٢

[مَسْأَلَة مَعْنَى قَوْله تَعَالَى اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَك]

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَنْكِحَ مِنْ بَنَاتِ عَمِّك وَبَنَاتِ عَمَّاتِك إلَّا مَنْ أَسْلَمَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».

الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَك مِنْهُنَّ إلَّا مَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].

وَمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَكْمُلْ، وَمَنْ لَمْ يَكْمُلْ لَمْ يَصْلُحْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَمُلَ وَشَرُفَ وَعَظُمَ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَتْ بِعَامَّةٍ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تَخْتَصُّ بِهِ.

وَلِهَذَا الْمَعْنَى نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي أُمِّ هَانِئٍ بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ هَاجَرَتْ، فَمُنِعَ مِنْهَا لِنَقْصِهَا بِالْهِجْرَةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَاجَرْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] خَرَجْنَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِيمَانِ، وَالْأَسْمَاءُ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهَا، وَالْهِجْرَةُ فِي الشَّرِيعَةِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى بَيَانٍ، أَوْ تَخْتَصَّ بِدَلِيلٍ؛ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِمَنْ ادَّعَى غَيْرَهَا.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] صُحْبَتِهِ إذْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ يُقَالُ: دَخَلَ فُلَانٌ مَعِي، أَيْ فِي صُحْبَتِي، فَكُنَّا مَعًا، وَتَقُولُ: دَخَلَ فُلَانٌ مَعِي وَخَرَجَ مَعِي، أَيْ كَانَ عَمَلُهُ كَعَمَلِي، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ فِيهِ عَمَلُكُمَا