Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن رأي الباحث

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٦٥٩

وأمَّا مَا اسْتَدَلّ به نُفَاة الرُّؤيَة مِنْ قَولِه تَعالى لِمُوسَى: (لَنْ تَرَانِي)، فَذلك مُخْتَصّ بِالدُّنيا، إذ لَم يُخْلَق الْخَلْق فِيها للبَقَاء، ويَدُلّ عليه قَوله ﵊: لَنْ يَرَى أحَدُكُم رَبَّه حَتى يَمُوت (١).

وجَوَاب آخَر، وهو أنَّ "قَوْله تَعَالى: (لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) الآية، لَيس بِجَوَاب مَنْ سَأل مُحَالًا، وقد قَال تَعَالى لِنُوح: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: ٤٦]، فلو سَأل مُوسَى مُحَالًا لَكَان في الكَلام زَجْرٌ مَا وتَبْيِين.

وقَولُه ﷿: (لَنْ تَرَانِي) نَصّ مِنْ الله تَعالى على مَنْعِه الرُّؤيَة في الدُّنيا، و (لن) تَنْفِي الفِعْل الْمُسْتَقْبَل، ولو بَقِينَا مع هذا النَّفْي بِمُجَرَّدِه لَقَضَينَا أنه لا يَرَاه مُوسَى أبَدًا ولا في الآخِرَة، لكن وَرَد مِنْ جِهَة أخْرَى بِالْحَدِيث الْمُتَوَاتِر أنَّ أهْل الإيمان يَرَون الله تَعَالى يَوْم القِيَامَة، فَمُوسَى ﵇ أحْرَى بِرُؤيَتِه" (٢).

وكان مِنْ سُؤَال النبي ﷺ ودُعَائه: وأسْألُك لَذّة النَّظَرِ إلى وَجْهِك (٣).

قال ابن عبد البر: والآثَار في هَذا الْمَعْنَى كَثِيرَة جِدًّا (٤).

وجَوَاب أخِير، وهو "إنَّ النَّظَر لَه عِدَّة اسْتِعْمَالات بِحَسَب صِلاته وتَعَدِّيه بِنَفْسِه، فإن عُدِّي بِنَفْسِه، فَمَعْنَاه التَّوَقُّف والانْتِظَار، (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) [الحديد: ١٣]، وإن عُدِّي بِـ (في)، فَمَعْنَاه التَّفَكُّر والاعْتِبَار، كَقَوْلِه: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف: ١٨٥]، وإن عُدِّي بـ (إلى)، فَمَعْنَاه الْمُعَايَنَة بِالأبْصَار، كَقَوْلِه