منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
والقَول الثَّاني: مَا حُكِي عن الحسن البصري أنه قَال: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) مَعْنَاه: أن يَتَوَدَّدُوا إلى الله بِمَا يُقَرِّبُكم إليه مِنْ العَمَل الصَّالِح.
والقَول الثَّالث: مَا حُكِي عن الضحاك أنَّ الآيَة مَنْسُوخَة بِقَولِه: (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)، وهَذا القَول غَير مَرْضِيّ عند أهْل الْمَعَاني، لأنَّ قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ليس باسْتِثْنَاء صَحِيح حَتى يَكُون مُخَالِفًا لِقَوله: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)، بَلْ هو اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، ومَعْنَاه: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، أي: مَالًا، وتَمَّ الكَلام، ومَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى): لكن صِلُوا قَرَابَتِي بالاسْتِجَابة لي، أوْ تَكُفُّوا أذَاكُم عَنِّي.
وفي بَعض التَّفَاسِير: أنَّ أهْل الْجَاهِلِيَّة لِمَا عَلِمُوا جَدّ النبي ﷺ ظَنُّوا أنه يَطْلُب مَالًا، فَجَمَعُوا له شَيئًا حَسَنًا مِنْ أمْوَالِهم، وقَالُوا: نُعْطِيك هَذا المال، وكُفّ عَمَّا أنْت عَليه (١)، فأنْزَل الله الآيَة على الْمَعْنَى الذي قَدَّمْنَا.
والقَول الرَّابِع: مَا رَوي في بَعض الغَرَائب مِنْ الرِّوَايات بِرواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أنَّ مَعْنَى قَوله: (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) أن تَوَدُّوا أقْرِبَائي وتُحِبُّوهم.
وحَكَى بَعضُهم أنَّ النبي ﷺ سُئل عن هَذه، وعن مَعْنَى القُرْبَى، فقال: علي وفاطمة وولدهما. وهذا أغْرب الأقَاويل وأضْعَفها" (٢).
ومَعْنى آيَة "الطور" عنده: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا) أي: على تَبْلِيغ الرِّسَالة.