منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
والوَجْه الرَّابع في الْجَوَاب: أنّهم قالوا: لا عِلم لَنا إلَّا أن عِلْمَنا جَوابَهم لَنا وَقْت حَياتِنا، ولا نَعْلَم مَا كَان مِنهم بَعد وَفَاتِنا، والْجَزاء والثَّوَاب إنّمَا يَحْصُلان على الْخَاتِمَة وذلك غَير مَعْلُوم لَنا؛ فَلِهَذا الْمَعْنَى قَالوا: لا عِلْم لَنا. وقَوله: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) يَشهد بِصِحّة هَذَين الْجَوابَين.
الوَجْه الْخَامس - وهو الذي خَطَر بِبَالي وقت الكتابة -: أنه قد ثَبت في علم الأصول أن العِلْم غير، والظَّنّ غير، والْحَاصِل عِند كُلّ أحَدٍ مِنْ حَالِ الغَير إنّمَا هُو الظَّن لا العِلْم، ولهذا قال ﵊: نحن نَحْكُم بالظَّاهِر، والله يَتَولَّى السَّرَائر (١). وقال ﵊: إنكم لَتَخْتَصِمُون لَدَيّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَن بِحُجَّتِه، فَمَنْ حَكَمْتُ له بِغَير حَقِّه فَكَأنّمَا قَطَعْتُ له قِطْعَة مِنْ النَّار (٢). أوْ لَفْظٌ هذا مَعْنَاه. فَالأنْبِياء قَالوا: لا عِلْم لَنا ألبتة بأحْوالِهم، إنّمَا الْحَاصِل عِنْدَنَا مِنْ أحْوَالِهم هو الظَّن، والظَّن كان مُعْتَبَرًا في الدّنيا، لأنَّ الأحْكَام في الدُّنيا كانت مَبْنِيّة على الظن، وأمَّا الآخِرَة فلا الْتِفَات فيها إلى الظَّن، لأنَّ الأحكام في الآخرة مَبْنِيّة على حقائق الأشياء وبَواطِن الأمُور، فَلِهَذا السَّبَب قَالوا: لا عِلْم لَنا [إلا ما عَلّمتنا] (٣)، ولم يَذكروا ألبتة مَا مَعهم مِنْ الظَّنّ، لأنَّ الظَّن لا عِبرة بِه في القِيَامَة.