Skip to content

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن جمع القرطبي

منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن

عبد الرحمن السحيم

Printed page ٤١٢

واخْتَلَف أهْل التَّأويل في الْمَعْنَى الْمُرَاد بِقَولهم: (لَا عِلْمَ لَنَا)؛ فَقيل: مَعْنَاه: لا عِلْم لنا بِبَاطِن مَا أجاب به أُمَمُنا، لأنَّ ذلك هو الذي يَقَع عليه الْجَزَاء، وهذا مَرْوي عن النبي ﷺ.

وقيل: الْمَعْنَى: لا عِلْم لَنا إلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، فَحُذِف.

وقال ابن عباس: مَعْناه: لا عِلْم لَنا إلَّا عِلْم أنْت أعْلَم بِه مِنَّا.

وقيل: إنّهم يَذْهَلُون مِنْ هَول ذلك، ويَفْزَعُون مِنْ الْجَواب، ثم يُجِيبُون بَعْد مَا تَثُوب إليهم عُقُولهم، فَيَقُولُون: (لَا عِلْمَ لَنَا).

قال النحاس: وهذا لا يَصِحّ؛ لأن الرُّسُل صَلوات الله عَليهم لا خَوْف عَليهم ولا هم يَحْزَنُون.

قُلْتُ: هَذا في أكْثَر مَوَاطِن القِيَامَة، ففي الْخَبَر: إنّ جَهَنَّم إذا جِيء بِها زَفَرَتْ زَفْرَة فلا يَبْقَى نَبِيّ ولا صِدِّيق إلَّا جَثَا لِرُكْبَتَيه (١). وقال رسول الله ﷺ: خَوَّفَنِي جِبْرِيل يَوْم القِيَامة حَتى أبْكَانِي، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيل! ألم يَغْفِر لي مَا تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِي ومَا تَأخَّر؟ فقال لي: يا محمد لتَشْهَدَنَّ مِنْ هَول ذَلك اليَوْم ما يُنْسِيك الْمَغْفِرَة (٢).

قلت: فإن كَان السُّؤال عند زَفْرَة جَهَنَّم - كَمَا قَالَه بَعْضُهم - فقول مجاهد والْحَسَن - صَحِيح، والله أعلم.

قال النحاس: والصَّحِيح في هذا أنَّ الْمَعْنَى: مَاذا أُجِبْتُم في السِّرّ والعَلانِيَة لِيَكُون هذا تَوْبِيخًا للكُفَّار، فَيَقُولُون: لا عِلْمَ لَنَا؛ فَيَكُون هَذا تَكْذِيبًا لِمَنْ اتَّخَذ الْمَسِيح إِلَهًا.

وقال ابن جُريج: مَعْنَى قَوله: (مَاذَا أُجِبْتُمْ) مَاذا عَمِلُوا بَعْدَكم؟ قَالُوا: (لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).