منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
في الدُّنْيا غَالِبًا، فَمَنْ بَقِي له سُوء إلى الآخِرَة فَهو في الْمَشِيئَة، يَغْفِر الله لِمَنْ يَشَاء، ويُجَازِي مَنْ يَشَاء (١).
وفي تَفْسِير قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) قال: واخْتَلَف العُلَمَاء في هَذه الْمَسْألَة؛ فَجَمَاعةٌ مِنْ الفُقَهاء وأهل الحديث يَرون أنَّ الرَّجُل إذا اجْتَنَب الكَبَائر وامْتَثَل الفرائض كُفِّرَتْ صَغَائره، كالنَّظَر وشِبْهِه قَطْعًا بِظَاهِر هَذه الآيَة وظَاهِر الْحَدِيث (٢).
وأمَّا الزمخشري فَقَال في مَعْنَى قَوله تَعالى: (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ): نُمِيط مَا تَسْتَحِقُّونَه مِنْ العِقَاب في كُلّ وَقْت على صَغَائرِكُم ونَجْعَلها كَأن لم تَكُنْ لِزِيادَة الثَّوَاب الْمُسْتَحَق على اجْتِنَابِكُم الكَبَائر وصَبْرِكُم عنها عَلى عِقَاب السَّيئَات.
والكَبِيرَة والصَّغِيرَة إنّما وُصِفَتَا بالكِبَر والصِّغَر بإضَافَتِهما؛ إمَّا إلى طَاعَة، أوْ مَعْصِيَة، أوْ ثَوَاب فَاعِلِهما (٣).
والتَّكْفِير إمَاطَة الْمُسْتَحَق مِنْ العِقَاب بِثَوَاب أزْيَد أوْ بِتَوْبَة، والإحْبَاط (٤) نَقِيضُه، وهُو إمَاطَة الثَّوَاب الْمُسْتَحَقّ بِعِقَاب أزْيَد أوْ بِنَدَم عَلى الطَّاعَة (٥).