منهج القرطبي في دفع ما يتوهم تعارضه من الآيات في كتابه الجامع لإحكام القرآن
ثم أوْرَد مَا رَواه مُسْلِم (١) مِنْ حَدِيث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كَان يَقُول: الصَّلَوَات الْخَمْس، والْجُمْعَة إلى الْجُمْعَة، ورَمَضَان إلى رَمَضَان؛ مُكَفِّرَات مَا بَيْنَهنّ إذا اجْتَنَبَ الكَبَائر.
ومَا رَوَاه ابن حِبان (٢) مِنْ حَدِيث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله ﷺ قال: مَا مِنْ عَبْد يُؤدِّي الصَّلَوَات الْخَمْس ويَصُوم رَمَضَان ويَجْتَنِب الكَبَائر السَّبْع إلَّا فُتِحَتْ له أبْوَاب الْجَنَّة الثَّمَانِيَة يَوْم القِيَامَة حَتى إنّها لَتَصْطَفِق (٣)، ثم تَلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا).
فَقَد تَعَاضَد الكِتَاب وصَحِيح السُّنَّة بِتَكْفِير الصَّغَائر قَطْعًا كَالنَّظَر وشِبْهِه، وبَيّنَتِ السُّنَّة أنَّ الْمُرَاد بـ (تَجْتَنِبُوا) ليس كُلّ الاجْتِنَاب لِجَمِيع الكَبَائر، والله أعلم.
ثم ذَكَر احْتِجَاج طائفَة بِمَا رَواه مُسلم (٤) وغيره (٥) عن أبي أمامة أنّ رسول الله ﷺ قَال: مَنْ اقْتَطَع حَقّ امْرِئ مُسْلم بِيَمِينِه فَقَد أوْجَب الله له النَّار، وحَرَّم عليه الْجَنَّة. فَقَال له رَجُل: يا رسول الله وإن كان شَيئًا يَسِيرًا؟ قَال: وإن كان قَضِيبًا مِنْ أرَاك.
فقد جَاء الوَعِيد الشَّدِيد على اليَسِير كَمَا جَاء على الكَثِير.
ونَقَل عن ابن عباس قَوله: الكَبِيرة كُلّ ذَنْب خَتَمَه الله بِنَارٍ، أوْ غَضَب، أوْ لَعنة، أوْ عَذَاب (٦).