السيرة الحلبية = إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون
قلت ما قلت؟ فقال: يا رسول الله استغفر لي، وقال ابنه عبد الله: يا رسول الله استغفر له فاستغفر له. وفي لفظ: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية أربع عشرة مائة والحديبية بئر نتبرضها» من البرض: هو الماء الذي يقطر قليلا قليلا «فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ماشيتنا وركابنا. وفي لفظ: فرفعت إليه الدلو فغمس يده فيها فقال ما شاء الله أن يقول: ثم صب الدلو فيها، فلقد لقيت آخرنا أخرج بثوب خشية الغرق ثم ساحت نهرا» فليتأمل الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها.
وقد يقال: لا مانع من وقوع جميع ذلك، لكن يبعد أن يكون ذلك في قليب واحد، قال بعضهم: فلما ارتحلوا أخذ البراء ﵁ السهم فجف الماء كأن لم يكن هناك شيء.
وفي كلام هذا البعض: أن أبا سفيان قال لسهيل بن عمرو ﵄: قد بلغنا أنه ظهر بالحديبية قليب فيه ماء فقم بنا ننظر إلى ما فعل محمد، فأشرفنا على القليب والعين تنبع تحت السهم، فقال: ما رأينا كاليوم قط، وهذا من سحر محمد قليل.
وفيه أنا أبا سفيان ﵁ لم يكن حاضرا في الحديبية، وحمل ذلك على أن ذلك كان من أبي سفيان بعد ارتحاله ﷺ من الحديبية ينافيه ما قدمه هذا البعض أن عند ارتحالهم من الحديبية رفع السهم وجف القليب، فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بديل بن ورقاء وكان سيد قومه ﵁ فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح، فكان من كبار مسلمة الفتح في رجال من خزاعة وكانت خزاعة، مسلمها ومشركها لا يخفون عليه ﷺ شيئا كان بمكة، بل يخبرونه به وهو بالمدينة، وكانت قريش ربما تفطن لذلك، فسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا؛ وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته.
وفي المواهب أنه ﷺ قال لبديل ما تقدم من قوله «وإن قريشا قد نهكتهم الحرب إلى آخره» وإن بديلا ﵁ قال له سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا فقال: إنا جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول: قال سمعته يقول كذا وكذا: فحدثهم بما قال، هذا كلامه.
والرواية المشهورة أن بديلا ومن معه من خزاعة لما رجعوا إلى قريش فقالوا:
يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد وإن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا