Skip to content

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Printed page ٢/ ٢٠٣

الأذان كان بقول عمر رضي الله، فأجاب عنه الحافظ ﵀: أن هذا الأذان لم يكن بالكلمات المعروفة، بل أراد به مُطْلَق الإعلام. وثَبَتَ عن بلال ﵁: أنه كان ينادي بالصلاة جامعة إلى أيام، حتى رأى عبد الله بن زَيْد رُؤْيَاه، وحينئذٍ شُرِعَ الأذان المعروف. وأيَّدَه بأثرين، وَوَجَدْتُ لهما مُتَابِعَا آخر. فهذا الشَّرْحُ هو المختار عندي، وإن نَازَع فيه العَيْنِي رحمه الله تعالى.

٦٠٣ - قوله: (فَأُمِرَ بلالٌ) ... إلخ، هكذا يُرْوَى بصيغة المجهول في جميع الطُّرُق. وأراد الحافظ ﵀ أن يعيِّن الفاعلَ والآمرَ مَنْ هو؟ فأتي بروايةٍ تَدُلُّ على أنه النبي ﷺ قلت: وعلَّلها أبو حاتم، وقال: إن هذا اللفظ وَهْمٌ، فتفكَّرْتُ فيه إلى سنين حتى تبيَّن لي حقيقةَ الحال، وهو: أن أنسًا ﵁ لم يكن حاضرًا عند أمر النبيِّ ﷺ بلالا ﵁ بالشافعية والوِتْرِيّة، وإنما رآه فيما بعد يُوتِرُ ويُشْفِع في أذانه، فَحُمِلَ على أنه لا يمكن إلا أن يكون فيه عنده أمرٌ من جهة النبيِّ ﷺ فلفَّ الفاعل لهذا. ولو حَضَرَ عند أمر النبيِّ ﷺ بلالا ﵁ وشاهده، لأَسْنَدَ إليه البَتَّة، ولكنه لمَّا لم يشاهده يأمره، وإنما هو أمرٌ فَهِمَه من عند نفسه وإن كان صوابًا، احتاط فيه، وأحبَّ أن لا يَنْسِبَ إلى النبيِّ ﷺ ما لم يشاهده به، فأتى بالمجهول لهذا.

والغرض من هذا التحقيق أنه لو أَظْهَر الفاعل، لكان دليلا صريحًا على أن أذانَ بلال ﵁ وإقامتِهِ، كان على أذان الملك النَّازِلِ من السماء وإِقَامتِهِ لكونه عِقِيْبَه بِأَمْرِه. ولمَّا لم تكن عنده مشاهدة بأمر النبيِّ ﷺ إذ ذاك صراحةً، وإنما شاهده يؤذِّنُ ويقيم فيما بعده بزمنٍ، فحكاه كما شاهده، أمكن أن يكونَ على خلاف شاكلته أيضًا (١).

تَرْجِيْعُ الأَذَانِ وإِفْرَادُ الإِقَامَةِ

واعلم أن الكلامَ في الأذان في موضعين: الأول في كلماته، والثاني في صفته. وهي عندنا: خمسةَ عشرَ كلمةً بتربيع التكبير وحَذْفِ التَّرْجِيع، وعند الشافعية رحمهم الله تعالى: تسعةَ عشرَ كلمةً مع التربيع والتَّرْجِيع، وعند مالك ﵀: سبعةَ عشرَ مع تَثْنِيَة التكبير وترجيح الشهادتين. ويُرْوَى تثنية التكبير عن أبي يوسف ﵁ أيضًا، كما في «الدُّرِّ المختار».

قلت: أمّا تَثْنِيَة التكبير، فقد رُوِيَ عن أبي يوسف كما عَلِمْتَ. وأمَّا التَّرْجِيع، فصرَّح صاحبُ «البحر» (٢) أنه ليس بسنةٍ ولا مكروهٍ، وبه أُفْتِي. وفي «ملتقى الأبحر»: أنه مكروهٌ، والصواب كما في «البحر».