فيض الباري على صحيح البخاري
بيده الواحدة، والنبيُّ ﷺ قد صافحه بيديه الكريمتين، فإنه يُسْتَبْعَدُ من مثله أن لا يَبْسُطَ يديه للنبيِّ ﷺ وقد يكون النبيُّ ﷺ بَسَطَ له يديه، غيرَ أنَّ الراوي لم يَذْكُرْه، لعدم كون غرضه متعلِّقًا بذلك.
ولا ريبَ أن الرواةَ يختلِفون في التعبيرات، فيخرِّجون عباراتِهم على الاعتبارت، فمنهم من يفصِّلُ المُجْمَلَ، ومنهم من يُجْمِلُ المفصَّلَ. ثم الواحدُ قد يرتكبُه أيضًا، وحينئذٍ لا بدعَ في كون مصافحة ابن مسعود أيضًا باليدين.
٦٢٦٤ - قوله: (وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ) فيه: أن أخذَه بيده لم يكن للمصافحة، بل هو للتأنيس إلَّا أن تَرْقَى على الجنس، وتقولَ: إن المصافَحَة أيضًا للتأنيس.
واعلم أن التصافحَ عند الملاقاة توكيدٌ للتسليم القوليِّ، فإنَّ التسليمَ إيذانٌ بالأمن قولًا، والتصافحُ نحوُ بَيْعَةٍ، وتلقينٌ على ذلك، ليكونَ كلٌّ من المتلاقِيَيْن على أمنٍ من صاحبه. وهذا كما قدَّمنا في مفتتح الكتاب: أنَّ العربَ في الجاهلية كانوا يفعلون ما يفعلون من القتلِ والغارات، حتَّى كانت تنقطعُ الطرقُ، وتنسدُّ السُّبُلُ، فلم يكونوا يتمكَّنون أن يَخْرُجُوا بالأمن إلَّا في الأشهر الحُرُمِ. فلمَّا جاء اللهُ بالإِسلام، وضع السلامةَ بينهم، وبدَّلهم من بعد خوفهم أمنًا، وجعل بإِزائه لفظَ الإِسلام، ليكونَ كلٌّ من المتلاقِيَيْن على الأمن من صاحبه. ولعلَّ هذا المعنى مراعًى في التصافح أيضًا، لأنَّه نوعُ بيعةٍ على ذلك، وتوكيدٌ لِمَا تلفَّظاه بالتسليم.
ثم إنَّ أوَّلَ المصافحة بدأ من أهل اليمن، حين جاءوا إلى النبيِّ ﷺ واستقبالُ الحجر الأسود أيضًا مصافحةٌ، لِمَا في الحديث: «أن الحجرَ يمينُ الله في الأرض»، فكان استقبالُه كالمصافحة، فافهم.
٢٨ - باب الأَخْذِ بِالْيَدَيْنِ
وَصَافَحَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ابْنَ الْمُبَارَكِ بِيَدَيْهِ.
٦٢٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ عَلَّمَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَفِّى بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ، كَمَا يُعَلِّمُنِى السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَهْوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَامُ. يَعْنِى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ. أطرافه ٨٣١، ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٣٢٨، ٧٣٨١ - تحفة ٩٣٣٨
قوله: (وصَافَحَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ابْنَ المُبَارَكِ بِيَدَيْهِ)، وابنُ المُبَارَك من الذين تفقَّهوا