فيض الباري على صحيح البخاري
والتقشُّع، والفِرَارُ من ناحيةٍ إلى أخرى، فلا يسمَّى ذلك فِرَارًا. ولعلَّ ما وَقَعَ منهم هو هذا دون الفِرَارِ عن المعركة.
٤٠٦٤ - قوله: (تُنْقِزَانِ القِرَبَ): "جهلكاتي تهين مشكون كو: دور نى كى وجه سى". وقد عزا بعضُهم إلى البخاريّ ترجمته: تخيطان، وليس بصوابٍ. لأن النقز ليس بمعنى الخياطة. وكذا ما سيفسِّره به الراوي غَلَطٌ. ثم إن الحجابَ لم يَكُنْ نَزَلَ بعدُ. على أن الرؤيةَ في قوله له: «أَرَى خَدَمَ ساقهما»، ليست قَصْدِيّةً.
٤٠٦٥ - قوله: (يُقَالُ: بَصُرْتُ وأَبْصَرْتُ، وَاحِدٌ) فَبَصُرَ مع كونه من كَرُمَ متعدَ، ففيه شذوذٌ.
١٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران: ١٥٥]
.
٤٠٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ الْبَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْقُعُودُ قَالُوا هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ مَنِ الشَّيْخُ قَالُوا ابْنُ عُمَرَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنِّى سَائِلُكَ عَنْ شَىْءٍ أَتُحَدِّثُنِى، قَالَ أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَكَبَّرَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ تَعَالَ لأُخْبِرَكَ وَلأُبَيِّنَ لَكَ عَمَّا سَأَلْتَنِى عَنْهُ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ». وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرُّضْوَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانَ، وَكَانَ بَيْعَةُ الرُّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ الْيُمْنَى «هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ». فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ «هَذِهِ لِعُثْمَانَ». اذْهَبْ بِهَذَا الآنَ مَعَكَ. أطرافه ٣١٣٠، ٣٦٩٨، ٣٧٠٤، ٤٥١٣، ٤٥١٤، ٤٦٥٠، ٤٦٥١، ٧٠٩٥ تحفة ٧٣١٩ - ١٢٦/ ٥
٤٠٦٦ - قوله: (جَاءَ رَجُلٌ) ... إلخ، ولعلَّه كان مصريًّا، لأن أول من بغى على عثمان أهل مصر.
٤٠٦٦ - قوله: (أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرُضْوَانِ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا) ومما يتحيَّرُ منه الناظرُ من إيثار الصحابة، واتَّباع الحقِّ، وعدم التجاوز عنه: أن ابنَ عمر مع كونه ابنًا للخليفة، لَمَّا سُئِلَ عن عثمان لم يتكلَّم فيه إلَّا بخيرٍ، وذَبَّ عنه بما كفى وشفى. ولو كان لأحدٍ مثله اليوم لَحَسَدَ عليه، ولنال من عِرْضِهِ أضعاف ذلك. فهذا يَدُلَّكَ على كونهم أعدلَ أفرادِ البشرِ.